وفاة مهسا أميني أشعلت موجة الاحتجاجات في منتصف سبتمبر

صرخات المحتجين تصدح في أنحاء إيران.. ودعم دولي للمتظاهرين

صورة

2022 عام تفجّر الصراعات.. ومحاولة إعادة «رسم الخرائط»

قد يكون من باب التسطيح وتجاهل الحقائق لو اعتبرنا أن عام 2022 كان عاماً عادياً، لأن الأحداث التي وقعت في هذا العام كانت استثنائية بحق وأثرت في تبعاتها وآثارها، وربما في خصوصيتها، على العالم كله، لأن بعضها كان محاولة لإعادة «رسم الخرائط». ونظراً إلى أن أحداث العالم كثيرة ولا يمكننا أن نعرج عليها كلها، فإننا سنحاول التطرق لأهمها، مثل التظاهرات المتفجّرة في إيران منذ بضعة أشهر، والتي هزت النظام الإيراني من الداخل، وأثارت ردود فعل متباينة عبر العالم، وحرب أوكرانيا وما خلّفته من آثار اقتصادية وجيوسياسية على دول العالم، وبالذات القارة الأوروبية، ورحيل الملكة إليزابيث التي شكلت جزءاً كبيراً من تاريخ بريطانيا الحديث، وحظيت بشعبية كبيرة عبر العالم، وزيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان وتحدّي الصين، وزيارة الرئيس جو بايدن إلى الشرق الأوسط وما أثارته من ردود أفعال، وزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السعودية وعقده أكثر من قمة فيما يمكن اعتباره إعادة تموضع لبكين جهة الشرق الأوسط، وإعادة توجه من قبل بعض الدول العربية تجاه بكين.


تتواصل الاحتجاجات في إيران منذ منتصف سبتمبر الماضي، ودخلت موجة التظاهرات التي أشعلتها وفاة الشابة مهسا أميني شهرها الرابع، مع سقوط عدد كبير من الضحايا، اختلفت حصيلته باختلاف الجهة التي حصرته، سواء المنظمات الحقوقية أو السلطات الإيرانية، وأدى قمع التظاهرات إلى إدانات دولية، وفرض عقوبات ضد مسؤولين إيرانيين، وإخراج إيران من هيئة الأمم المتحدة المعنية بحقوق المرأة، ويوماً بعد يوم تزايد الدعم الدولي للمحتجين، وخصوصاً من الولايات المتحدة الأميركية ورئيسها جو بايدن، وبالمثل الدول الأوروبية.

اندلعت الحركة الاحتجاجية في 16 سبتمبر الماضي، في أعقاب وفاة أميني، الشابة الإيرانية الكردية، التي كانت تبلغ من العمر 22 عاماً، بينما كانت محتجزة لدى شرطة الأخلاق بتهمة «مخالفة قواعد الملابس الصارمة»، التي تفرضها طهران على النساء، وشيئاً فشيئاً توسعت مطالب المحتجين من مجرد إجراء تحقيق حول سبب وكيفية وفاة أميني، وإلغاء قوانين الحجاب الصارمة، وحل شرطة الأخلاق التي تطبق هذه القوانين، إلى هتافات ضد القيادات الإيرانية ومطالب برحيلها.

تحدي السلطات

وخلال الاحتجاجات ظهرت شابات إيرانيات، وبعضهن يخلعن الحجاب ويحرقنه في تحدٍّ للسلطات، وفق ما وثق النشطاء عبر مقاطع الفيديو التي كان يصعب عليهم في كثير من الأحيان سرعة نشرها أو نشر صور بجودة عالية، نظراً لتعطل خدمة الإنترنت في بعض الأوقات، وبطئها الشديد في أحيان أخرى، منذ بداية الحركة الاحتجاجية وحتى اللحظة.

وبحسب حصيلة أوردتها منظمة «حقوق الإنسان في إيران» ومقرها في النرويج، قُتل 458 شخصاً على الأقل في حملة قمع التظاهرات التي تشهدها إيران، بينما المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران كان قد أعلن أن أكثر من 200 شخص قتلوا في أعمال عنف، بينهم عناصر أمن.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن حصيلة الموقوفين بلغت 14 ألفاً على الأقل، وأعلن القضاء الإيراني أنه أصدر 11 حكماً بالإعدام على صلة بالاحتجاجات، وقد تم تنفيذ حكمين بالإعدام شنقاً في 8 و12 ديسمبر الجاري، بحق محسن شكاري وماجد رضا رهناورد (كلاهما في الـ23، وكانا أول شخصين يحكم عليهما بالإعدام على خلفية الاحتجاجات)، علماً بأن الأخير شُنق على رافعة في مكان عام لا في السجن، ما أثار غضباً عارماً.

إعدام محتجين

وقالت منظمة العفو الدولية إن 26 شخصاً على الأقل يواجهون خطر الإعدام في اتهامات على صلة بالاحتجاجات، وقد أدى قمع الاحتجاجات إلى إدانات دولية، وفرض عقوبات ضد مسؤولين إيرانيين، وإخراج إيران من هيئة الأمم المتحدة المعنية بحقوق المرأة.

وعلى مدى الأشهر التي استمرت فيها الاحتجاجات، تظاهر إيرانيون ونشطاء داعمون لهم في العديد من العواصم الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، منضمين بصوتهم وهتافاتهم إلى مطالب المحتجين الإيرانيين.

وبعد بدء موجة الاحتجاجات أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن صراحة دعمه للمتظاهرين في إيران، معرباً عن اندهاشه إزاء الاحتجاجات الجماعية في إيران، التي تشهد أكبر موجة تظاهرات منذ سنوات.

وقال بايدن خلال كلمة بإحدى كليات مدينة إرفاين في كاليفورنيا، في أكتوبر الماضي: «أريدكم أن تعلموا أننا نقف إلى جانب مواطني ونساء إيران الشجاعات.. أدهشني ما أيقظته الاحتجاجات في إيران.. أيقظت شيئاً لا أعتقد أنه سيتم إسكاته لوقت طويل جداً».

وتطرق بايدن لاحتجاجات إيران قبل إلقاء كلمته في إرفاين بالقرب من لوس أنجلوس، التي تضم جالية كبيرة من أصول إيرانية، وأكد بايدن أن «إيران يجب أن تضع حداً للعنف ضد مواطنيها الذين يمارسون حقوقهم الأساسية»، متوجهاً إلى الجالية الإيرانية بالقول: «أود أن أشكركم جميعاً على التعبير عن آرائكم».

تحرير إيران

وبعد نحو ثلاثة أسابيع من تلك التصريحات، فاجأ الرئيس الأميركي المتابعين للملف الإيراني بتصريحات نارية، تعهد فيها بما وصفه «تحرير إيران»، وتسببت تلك التصريحات في غضب قادة طهران، وفتحت الباب على مصراعيه بشأن الطريقة التي ستتعامل بها واشنطن مع الإيرانيين مستقبلاً، وفق تقرير لقناة «الحرة».

وتعهد بايدن خلال كلمة للناخبين في ولاية كاليفورنيا الأميركية بمساعدة الشعب الإيراني بالقول: «لا تقلقوا، سنُحرر إيران»، وسط تصفيق من الحضور، قبل أن يستدرك الأمر ويقول إن «مواطني إيران سيحررون أنفسهم قريباً جداً».

وفي المقابل، أثارت تصريحات بايدن غضب قيادات طهران، وعلى رأسهم الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، الذي أكد أن بلاده تحررت من الولايات المتحدة قبل 43 عاماً، وفي وقت لاحق أصدر البيت الأبيض توضيحاً بشأن تصريحات بايدن، وقال المتحدث باسم الأمن القومي بالبيت الأبيض جون كيربي، إن الرئيس جو بايدن كان يعبر عن تضامنه مع المحتجين في إيران، من خلال القول أمام حشد من أنصاره «سنحرر إيران».

ولم يتوقف الدعم الأميركي للمحتجين الإيرانيين على تصريحات بايدن فقط، ولكن وسعت إدارة بايدن السماح لشركات التكنولوجيا الأميركية بتزويد الإيرانيين داخل البلاد بإمكانية الوصول إلى أدوات معينة تساعدهم على التواصل مع بعضهم بعضاً وسط واحدة من أسوأ عمليات إغلاق الإنترنت في تاريخ إيران من حيث الاتساع والنطاق.

إنترنت بديل

وناقشت إدارة بايدن مع الملياردير الأميركي إيلون ماسك، مالك شركة «سبيس إكس» سبل توفير الإنترنت الفضائي في إيران، عبر خدمة «ستار لينك»، وأعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على مسؤولين إيرانيين، لدورهم في قمع التظاهرات التي أشعلتها وفاة الشابة مهسا أميني.

وخلال منتصف ديسمبر الجاري، فرض الاتحاد الأوروبي على إيران عقوبات جديدة على خلفية قمع الاحتجاجات، وشملت مسؤولين في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، وقادة في الجيش و«الحرس الثوري»، وهي خطوة ردت عليها وزارة الخارجية الإيرانية قائلة إنها «غير مقبولة ولا أساس لها»، وأضافت أن «الشرطة وقوات الأمن الإيرانية حاولت السيطرة على تفشي العنف، وفقاً لقواعد سلوك دقيقة ومحددة للغاية، مع احترام حقوق الإنسان وحقوق كل فرد».

ورغم التبريرات التي أطلقتها السلطات الإيرانية وإدانتها للخطوات الأوروبية الداعمة للمتظاهرين، تعالت الدعوات الأوروبية إلى فرض المزيد من العقوبات ضد طهران، وأعرب نواب البرلمان ومسؤولون بارزون في الحكومة بهولندا عن تأييدهم لفرض عقوبات أشد صرامة، ودعا اقتراح في البرلمان إلى إضافة 227 عضواً في البرلمان الإيراني إلى قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد طهران، وطالبوا بتشديد الحظر على إيران، فيما يتعلق بالمنتجات ذات الاستخدام المزدوج، التي يمكنها توظيفها في أغراض عسكرية ومدنية، على حد سواء.

وبينما يتهم القادة الإيرانيون الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى بالمسؤولية عن تفجر الأزمة، وهي رواية لا يصدقها كثير من الإيرانيين، تأتي كل هذه التطورات بالتزامن مع تراجع إمكانية التوصل لاتفاق نووي جديد مع طهران، في ظل حالة من الجمود التي تشهدها المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بشأن إحياء الاتفاق.

• طوال الأشهر التي استمرت فيها الاحتجاجات، تظاهر إيرانيون ونشطاء داعمون لهم في العديد من العواصم الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، منضمين بصوتهم وهتافاتهم إلى مطالب المحتجين الإيرانيين.

• ناقشت إدارة بايدن مع الملياردير الأميركي إيلون ماسك، مالك شركة «سبيس إكس»، سبل توفير الإنترنت الفضائي في إيران، عبر خدمة «ستار لينك»، وأعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على مسؤولين إيرانيين، لدورهم في قمع التظاهرات التي أشعلتها وفاة الشابة مهسا أميني.

• قمع الاحتجاجات أدى إلى إدانات دولية وإخراج إيران من هيئة الأمم المتحدة المعنية بحقوق المرأة.

• بايدن أعلن صراحة دعمه المتظاهرين الإيرانيين.. ودعوات أوروبية إلى تشديد العقوبات ضد طهران.


جدل حول سبب وفاة مهسا أميني

كان السبب الذي أعلنته السلطات الإيرانية حول وفاة الشابة مهسا أميني، دافعاً للمحتجين للاستمرار في تظاهراتهم، غير مقتنعين بأن الشابة قد توفيت بسبب حالة مرضية سابقة، في ظل تأكيد أسرتها تعرضها للضرب المبرح، وكونها كانت في غيبوبة قبل وفاتها.

وأعلنت السلطات الإيرانية أن الشابة مهسا أميني، قضت نتيجة تداعيات حالة مرضية سابقة، وليس بسبب تعرضها للضرب، وأفادت هيئة الطب الشرعي الإيرانية بأن «وفاة مهسا أميني لم تكن بسبب ضربات على الرأس أو الأعضاء الحيوية للجسد، بل ترتبط بتداعيات خضوعها لعملية جراحية لإزالة ورم في الدماغ في سن الثامنة». وأشارت الهيئة إلى أن «العملية التي جرت لإزالة الورم أدت إلى معاناة أميني اضطرابات في المحور الوطائي النخامي وعدد من الغدد المرتبطة به، ومنها الغدة الدرقية»، ونشرت وسائل إعلام رسمية إيرانية تقرير هيئة الطب الشرعي، الذي أكد أنه يستند إلى سجلات المستشفى، وصور مقطعية للرأس والرئتين وتشريح. وفي المقابل رفضت عائلة أميني ما أعلنته السلطات الإيرانية حول سبب وفاة الشابة الكردية، ورفعت شكوى ضد عناصر الشرطة الضالعين في القضية، قائلة إن الراحلة توفيت جراء «ضربة قوية على الرأس».

أسرة مهسا أميني أكدت تعرضها للضرب المبرح قبل وفاتها.   أرشيفية

طباعة