بعد أن وعدت بتوفير فرص جيدة

شركة «أوبر» في جنوب إفريقيا حرمت سائقيها وعرّضتهم للخطر

صورة

عمل شون كوبيدو في مهن مختلفة، فقد كان شرطياً، وعامل مصنع، وسائق سيارة أجرة؛ ولكن في سن الـ44، لم يجد كوبيدو طريقاً للازدهار. وحكمت العصابات العنيفة «ماننبرغ»، بلدته التي شيدها نظام الفصل العنصري، في جنوب إفريقيا، حيث أمضى حياته كلها هناك. وقد سئم من اضطراره لتذكير أطفاله الثلاثة بالاستلقاء، وتغطية رؤوسهم في كل مرة يسمعون فيها دوي الرصاص.

وظيفة

ثم، في عام 2017، وجد كوبيدو وظيفة اعتقد أنها قد تغير مجرى حياته، أخيراً. ووعدت شركة «أوبر» العالمية، بالسماح لمواطني جنوب إفريقيا بتحديد ساعات عملهم، وأن يكونوا أحراراً في التصرف. واستأجر كوبيدو سيارة، وبدأ في نقل السياح حول مناطق التسوق على الواجهة البحرية في، كيب تاون، والمنتجعات الواقعة على الساحل. ولفترة من الوقت، كان العائد من الشراكة مع «أوبر» جيداً. وبدأ يحلم ببناء مشروعه التجاري الخاص وإدارة أسطول من السيارات لنقل الركاب.

ولكن شيئاً فشيئاً، كما قال، أجرت «أوبر» تغييرات على خدمتها، ما أدى إلى خفض راتبه وزيادة مخاطره. وقامت الشركة بتوظيف سائقين جدد في المدينة، وإغراق الشوارع بالمنافسين، وانخفض عدد عملاء كوبيدو اليومي إلى النصف. وفي محاولة لتعويض الفارق، قام بتسجيل الدخول لمدة 12 ساعة في اليوم، وبدأ القيادة في الأحياء الفقيرة مترامية الأطراف في «كيب فلاتس»، حيث كان العديد من السائقين يخشون الذهاب. وازدادت خطورة «الزحام»، كما سمّاه، بعد أن بدأت «أوبر» في السماح للركاب، في جنوب إفريقيا، بالدفع نقداً كجزء من محاولة لتعزيز معدل الركوب.

وسمع كوبيدو عن تعرض السائقين للسرقة والاعتداءات، لكنه كان يثق بقدرته على تجنب الخطر. وطوى كومة من الأوراق النقدية داخل محفظته، وظل يعمل لساعات طويلة، غير مدرك أنه كان يقود سيارته مباشرة إلى كمين.

قرارات ظالمة

في محاولة لإحداث تغيير جذري في النقل العالمي، وجعل مستثمريها «أغنياء»، وظفت «أوبر» سائقين، مثل كوبيدو، بناءً على رؤية لتحسين طريقة التنقل. وبعد سنوات، يقول سائقون إنهم أسوأ حالاً مما كانوا عليه عندما بدأوا، لأن «أوبر» اتخذت قرارات تنظيمية حرمتهم من قدرتهم على كسب لقمة العيش، وزادت من مخاطر القيادة في بعض أنحاء العالم.

وتلقي سجلات «أوبر» نظرة نادرة خلال سنوات من اتصالات الشركة الداخلية التي أصبحت ممكنة بفضل البيانات التي قدمها مارك ماكغان، وهو مسؤول سابق في «أوبر»، إلى صحيفة الغارديان. وتمت مشاركة البيانات مع أكثر من 40 مؤسسة إخبارية، بما في ذلك صحيفة «واشنطن بوست».

ويوفر التحقيق المشترك، الذي تم تنسيقه من قبل الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، نظرة حول كيفية رؤية الشركة لسائقيها. وكان ماكغان رئيس السياسة العامة للشركة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، من 2014 إلى 2016.

وتُظهر رسائل البريد الإلكتروني، والعروض الترويجية، والرسائل النصية من 2013 إلى 2017 أن مسؤولي الشركة، بقيادة الرئيس التنفيذي السابق، ترافيس كالانيك، ينفذون خطة عمل أثبتت أنها تقوض سائقيهم تدريجياً. وأظهرت الوثائق أن كبار المسؤولين التنفيذيين نصحوا المديرين المحليين في جميع أنحاء العالم بإنفاق ملايين الدولارات لتحفيز السائقين الجدد، ثم رفع عمولة «أوبر» بشكل مطرد، ما يحرم هؤلاء السائقين من الدخل ويزيد الأموال التي تتدفق إلى الشركة.

في العلن، كررت «أوبر» رسالة مفادها أن خدمتها مكنت الناس من أن يصبحوا «رواد أعمال». وفي عمليات تبادل البريد الإلكتروني الخاصة، أشار مسؤولو الشركة إلى السائقين على أنهم كتلة من «العرض»، التي كانت رواتبها المنخفضة والحد الأدنى من الحماية الوظيفية ضروريين لـ«أوبر»، من أجل تحقيق الربح.

تقليص الأرباح

تُظهر الوثائق، جنباً إلى جنب مع مقابلات مع أربعة مديرين سابقين في الشركة، و20 سائقاً حالياً وسابقاً، أن «أوبر» أوجدت ظروف عمل كانت تعلم أنها ستؤدي إلى معاناة العديد من السائقين. وأظهرت الوثائق والمقابلات أن الشركة العالمية حفزت السائقين على الاشتراك أكثر مما كان ضرورياً، وقلصت أرباح السائقين وأنشأت نظاماً يكافئ العمال على اتباع الطرق والجداول الزمنية، التي تعرّضهم لخطر الأذى في المواقع التي يتفشى فيها العنف.

وفي ردود مكتوبة على أسئلة «واشنطن بوست»، قال المتحدث باسم الشركة، غيس غلوفر، إن السائقين وجدوا فرصاً اقتصادية جيدة باستخدام التطبيق، حتى مع تذبذب أرباحهم «كجزء طبيعي من العمل». ونظراً لأن السائقين قد يختارون بحرية العمل في خدمات مختلفة قائمة على التطبيقات، كما قال غلوفر، «من الأساسي أن نسعى لتهيئة الظروف للاحتفاظ بالسائقين على المنصة».

ولم يرد المسؤول على أسئلة بشأن السائق كوبيدو أو أي من المعلومات المحددة الواردة في سجلات «أوبر» المتداولة.

وقالت المتحدثة باسم مؤسس الشركة، ديفون سبورغون، إن نموذج الأعمال الجديد «يتطلب القيام بتغيير الوضع الراهن، إذ أصبحت (أوبر) منافساً جاداً في صناعة كانت المنافسة فيها محظورة تاريخياً». ولم تجب المتحدثة عن أسئلة حول معاملة «أوبر» للسائقين أو أعمالها، في جنوب إفريقيا، أو عروضها للمدفوعات النقدية.


مزايا قليلة

تظهر التحديات التي يواجهها السائقون بشكل خاص في بلدان مثل جنوب إفريقيا، حيث تتيح المستويات القصوى من البطالة وعدم المساواة، الوصول إلى مجموعة كبيرة من العمال المستعدين لتحمّل العمل الصعب مع مزايا قليلة. مع العلم أن واحداً من كل ثلاثة جنوب إفريقيين، في سن العمل، عاطل عن العمل؛ وهو أعلى معدل للبطالة في العالم، ضمن قائمة البلدان التي يتتبّعها البنك الدولي.

من جهته، قال المحامي والأستاذ الفخري في جامعة ويسترن كيب، دارسي دو تويت، الذي يبحث في ظروف العمل في الاقتصاد الرقمي، «لا يمكن للغالبية العظمى من العمال الابتعاد والذهاب إلى وظيفة أخرى، لأنه لا توجد فرص». وكشفت مجموعة من السائقين مخالفات «أوبر» في ما يخص حقوق العمال، في محكمة بجنوب إفريقيا.

مخاطر غير متوقعة

تُعد جنوب إفريقيا أحد الأماكن الأكثر عنفاً في العالم؛ وكان العمال في قطاع النقل المتقلب هدفاً للسرقة والعنف، قبل وقت طويل من وصول «أوبر» إلى البلاد. ولم تجد «واشنطن بوست» بيانات تُظهر أن شركة «أوبر» تسببت في ارتفاع معدلات الجريمة في جنوب إفريقيا. ومع ذلك، فإن قرارات سياسة الشركة، مثل تطبيق سياسة المدفوعات النقدية، بعد رفض الفكرة سابقاً باعتبارها أقل أماناً، عرّضت بعض العمال - بمن في ذلك العديد من السائقين الجدد - إلى مستوى من المخاطر يقولون إنهم لم يتخيلوه.

وذات ليلة من عام 2019، كان السائق شون كوبيدو يحمل نحو 700 راند جنوب إفريقي، أو ما يعادل 50 دولاراً، عندما رن هاتفه باسم راكبته التالية: نادين.

وصعد رجلان إلى سيارته قائلين إن صديقتهما نادين سمحت لهما بالركوب. وبعد مسافة قصيرة بالسيارة، نشب جدال، وقام أحد الركاب بضرب السائق على رأسه مراراً بمقبض السكين. وانطلق الرجال بسيارته المستأجرة.

وأدرك كوبيدو وهو يرقد في سرير المستشفى والغرز تملأ رأسه، أنه كان خائفاً جداً من القيادة مرة أخرى لكسب لقمة العيش. وأمضى شهراً في التعافي من الاعتداء، ثم عمل في أول وظيفة تمكن من العثور عليها، إذ عمل في مناوبة المقبرة بوسط المدينة. وقال متحسراً: «لقد فقدت كل شيء».

20000

سائق يعملون لمصلحة «أوبر» في جميع أنحاء جنوب إفريقيا. «أوبر» اتخذت قرارات تنظيمية حرمت سائقيها من قدرتهم على كسب لقمة العيش، وزادت من مخاطر القيادة في بعض أنحاء العالم.

الحد الأدنى

تقول «أوبر» إن لديها، الآن، 20 ألف سائق في جميع أنحاء جنوب إفريقيا، بمن في ذلك سائقو التوصيل في «أوبر إيتس». ويقول البعض إنهم يكافحون من أجل تحقيق الحد الأدنى للأجور، الذي يعادل الآن نحو 1.40 دولار للساعة، بعد تقاسم جزء من أرباحهم مع «أوبر» وشركات تأجير السيارات، ودفع مصروفات مثل الغاز. ويقول البعض إنهم تعرضوا للسرقة من قبل المجرمين، وتعرضوا للمضايقات خلال الحملات الحكومية الدورية ضد «أوبر»، واستهدفهم مشغلو سيارات الأجرة المنافسون، الذين يهاجمون السائقين للدفاع عن حصتهم.

وفي عامي 2016 و2017، تم حرق سيارتين لسائقي «أوبر»، في جنوب إفريقيا، عندما أضرمت النيران في سيارتيهما، وكلاهما ضحية لهجمات مشتبه فيها من قبل شركات سيارات الأجرة، وفقاً لتقارير إخبارية. وتوفي أحدهما متأثراً بجروحه، وفقاً للتقارير.

وقال ديريك أونجانسي، 66 عاماً، وهو سائق سابق في «أوبر»، ساعد في تنظيم احتجاجات السائقين، وأحد السائقين الذين رفعوا دعوى قضائية ضد الشركة: «أصبحت منصة أوبر منصة للجريمة ومنصة الخوف»، متابعاً «بمجرد دخولك تلك السيارة، فإنك إما تخشى أن يقوم شرطي المرور بإيقافك واحتجاز سيارتك، أو تخشى من اعتداءات المجرمين».

طباعة