نتيجة لحظر الحبوب الروسية

أفغانستان الجائعة ستدفع ثمن حرب بوتين

صورة

يتردد صدى الحظر الروسي على تصدير المواد الغذائية والأسمدة من أجل استقرار الإمدادات والأسعار في الداخل، بينما تقوم موسكو بشن الحرب على أوكرانيا، في باحتها الخلفية، حيث تدفع دول وسط آسيا إلى أزمة اقتصادية، وتهدد بنقل أفغانستان من الجوع إلى المجاعة.

وأدت هذه الحرب في أوكرانيا إلى نشر الرعب في الأسواق، ورفع أسعار الحبوب، والوقود، والأسمدة. وتنتج كل من أوكرانيا وروسيا نحو 30% من إنتاج العالم من القمح، في حين أن روسيا تنتج معظم إنتاج العالم من السماد. وكلما طال أمد الحرب، زاد انعدام استقرار الإمدادات وارتفاع الأسعار.

تأثير مدمر على الدول الضعيفة

وسيكون تأثير كل ذلك على الدول الضعيفة، مثل أفغانستان، مدمراً، حيث يعاني الملايين نقص المواد الغذائية، ويموت الأطفال من سوء التغذية، وفق ما يقوله الخبراء الاقتصاديون. وثمة دول أخرى ضعيفة، مثل اليمن، ولبنان، وإثيوبيا، ونيجيريا، يمكن توقع حدوث تداعيات سيئة عليها، على الأقل خلال العام المقبل أو ما بعده. ويتوقع أن تؤثر الحرب على المحاصيل، والعائدات، ليس في أوكرانيا فقط، حيث من المتوقع أن يتم خفض زراعة الحبوب إلى النصف هذا العام، وإنما في الدول التي تعتمد على السماد الروسي لتعزيز محاصيلها، وفق الخبيرة الاقتصادية في برنامج الغذاء العالمي، فريدريكا غريب.

وينفق برنامج الغذاء العالمي 71 مليون دولار شهرياً على زراعة الحبوب، وفق ما تقوله غريب، أي بزيادة بلغت 44% على النفقات الشهرية في عام 2019، لسد الحاجات الموجودة. وبالنظر إلى أن الحرب تسير نحو الأسوأ، ستزداد الحاجة أكثر، وهذا يعني أنه ليس برنامج الغذاء العالمي هو الذي سينفق مزيداً من الأموال لإطعام مزيد من الأفواه، وإنما الجوع نفسه سيزداد في دول تعاني أصلاً، الآن، من قلة المواد الغذائية، بالنظر إلى أنه لن يكون هناك ما يكفي من هذه المواد. وفي الوقت الحالي، اضطر برنامج الغذاء العالمي لتقليل الحصص الغذائية لثمانية ملايين شخص.

الأفغان يبيعون أعضاءهم

وأكثر هذه الدول معاناة ستكون أفغانستان، التي تترنح الآن بعد خروجها من أربعة عقود من الحرب باقتصاد مستدام ضئيل. ومنذ تولّي حركة طالبان السلطة في أفغانستان في أغسطس الماضي، توقف النشاط الاقتصادي في تلك الدولة، كما أن العقوبات الاقتصادية الأميركية تعني أن العديد من الناس ليس لديهم المال لشراء أي شيء، بما فيها الغذاء. وقام الأفغان اليائسون ببيع أعضاء أجسامهم، وكذلك أعضاء أطفالهم.

وقال الخبير الاقتصادي الأفغاني، والأستاذ المساعد في جامعة خاصة في كابول، قيس محمدي: «الوضع في أفغانستان يتجه نحو الأسوأ. إذ إنه ليس هناك متغير واحد وإنما العديد، وجاءت الحرب الأوكرانية متغيراً إضافياً مهماً، إضافة إلى العملة غير المستقرة، والنظام البنكي غير المستقر، والمناخ السياسي غير المستقر، وانعدام استقرار اتخاذ القرار، وعدم وجود قوانين ولا أنظمة، وتجميد مليارات الدولارات من الأصول المالية»

وحذر برنامج الغذاء العالمي من أن نصف سكان أفغانستان يعانون «انعدام الأمن الغذائي»، في حين أن تسعة ملايين نسمة من السكان يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة. وقالت غريب إن تعداد الجوعى في مختلف أنحاء العالم يبلغ نحو 44 مليون نسمة. وقالت وزارة الصحة العامة التابعة لـ«طالبان» إن نحو 13 ألف طفل ماتوا نتيجة سوء التغذية هذا العام، على الرغم من أنه من غير الممكن التحقق من هذا الرقم.

الغذاء الرئيس هو الخبز

وقالت غريب: «تعتبر أفغانستان أزمة إنسانية رهيبة»، مؤكدة أنه إضافة إلى اليمن ولبنان كانت هذه البلدان تعتبر «أماكن كئيبة جداً» قبل الحرب في أوكرانيا. وأضافت غريب أن «عمليات برنامج الغذاء العالمي في أفغانستان، واليمن، ولبنان تعتمد إلى حد كبير على القمح. ومواردنا لا تسمح لنا بالتحرك مثل السابق، لأنه يتعين علينا الآن دفع أسعار مرتفعة جداً في الأسواق العالمية». وفي أفغانستان، حيث الغذاء الرئيس هو الخبز، يكون استيراد القمح ضرورياً. وتعتبر كازاخستان مورداً رئيساً، ولكنها لا تملك الكثير لبيعه، حيث بدأت آثار التقليص الروسي على التصدير تظهر على جيرانها. ويتوقع خبراء الاقتصاد الأفغان أن المزارعين في الأقاليم الشرقية سيستفيدون من الأسعار المرتفعة في باكستان، التي نفسها تتلقى المساعدات من برنامج الغذاء العالمي، كي يبيعوا محاصيل الحبوب إلى خارج البلاد بدلاً من بيعها في الداخل.

حصار شواطئ البحر الأسود

وقال المستشار الاستراتيجي لجمعية الأعمال والتجارة الأوكرانية، نزار بوبتيسكي، إن حصار روسيا لشواطئ البحر الأسود عمل على عزل أوكرانيا عن التجارة البحرية العالمية، وقطع إمدادات الحبوب، والزيت النباتي، إضافة إلى الشعير اللازم لصنع أعلاف المواشي. ويتم تصدير وشحن معظم كميات الشعير عبر موانئ عميقة على البحر الأسود، ولكن لم يتم انطلاق أي شحنات منذ الحرب. وأضاف بوبتيسكي: «كانت التجارة عبر الطرق البحرية مهمة جداً لضمان وجود استقرار الإمدادات، واستقرار الأسعار لهذه السلع»، ولكن بالنظر إلى الحظر على التصدير «يؤدي ذلك إلى تقليص كبير للإمدادات، وبالتالي سترتفع الأسعار. وبناءً عليه فعلى الأغلب فإن الدول النامية هي التي ستتأثر».

ولا يتوقف الأمر على أفغانستان. إذ إن دول وسط آسيا مثل تركمانستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وقرغيزستان، وكازاخستان ستعاني من الحظر الروسي على تصدير السماد والحبوب، ناهيك عن ذبول الاقتصاد الروسي تحت وطأة العقوبات الغربية، ما سيؤدي إلى تقلص دخل هذه الدول من تحويلات المهاجرين.

وتعتمد دول مثل مصر، وإثيوبيا، ولبنان، وسورية، واليمن على شحنات الحبوب من موانئ البحر الأسود، والتي لا يمكن استبدالها بسهولة، والاستيراد من مكان آخر، مثل كندا، وأستراليا، أو الهند، ناهيك عن تكاليف الشحن وزمن وصول الشحنة. وقالت غريب: «هناك الكثير الذي يمكن القيام به، خصوصاً إذا كانت تكاليف النقل مرتفعة جداً. وفي نهاية المطاف فإن ذلك يعني تقليص الحصص. والآن يحتاج برنامج الغذاء العالمي إلى نحو 20 مليار دولار هذا العام من أجل إطعام 140 مليون مستفيد»، وأضافت «إنه مبلغ مهول».

* لين أدونيل - كاتبة وصحافية أسترالية تكتب في «فورين بوليسي»

• حذّر برنامج الغذاء العالمي من أن نصف سكان أفغانستان يعانون «انعدام الأمن الغذائي»، في حين أن تسعة ملايين نسمة من السكان يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة.

• منذ تولّي حركة طالبان السلطة في أفغانستان في أغسطس الماضي، توقف النشاط الاقتصادي في تلك الدولة، كما أن العقوبات الاقتصادية الأميركية تعني أن العديد من الناس ليس لديهم المال لشراء أي شيء، بما فيها الغذاء.

• يتوقع أن تؤثر الحرب على المحاصيل، والعائدات، ليس في أوكرانيا فقط، حيث من المتوقع أن يتم خفض زراعة الحبوب إلى النصف هذا العام، وإنما في الدول التي تعتمد على السماد الروسي لتعزيز محاصيلها.

طباعة