كوريا الجنوبية أطلقت المشروع المبني على جمع وتحليل البيانات

«إيكو دلتا سمـارت فيلـدج».. تجـربة رائدة لتخطيط مدن المستقبل الذكية

صورة

بالنسبة إلى سونغ لي، البالغة من العمر 30 عاماً، والمقيمة في أول تجربة «للمدينة الذكية»، بكوريا الجنوبية، فإن المرآة في غرفة معيشة عائلتها ليست فقط لتسريح شعرها وهي في طريقها للخروج من المنزل.

هذه المرآة، التي يبلغ ارتفاعها نحو متر، إضافة إلى جهاز لوحي من «سامسونغ» مثبّت على الحائط في مكان قريب، هما المركز العصبي لهذا المنزل المكون من ثلاث غرف، فيما بات يعرف بـ«إيكو دلتا» الذكية، وهي المرحلة الأولى من تطوير ثلاثي المستويات للأراضي الرطبة في المناطق الخارجية، في هذه المدينة الساحلية مترامية الأطراف، التي تضم أحياء الفنانين، والمعابد، ومسارات التنزه.

وبمجرد أن تقوم لي بتنشيط المرآة الذكية، تتحول إلى شاشة تعمل باللمس ذات مظهر مستقبلي، إذ يمكنها مراقبة كل جانب من جوانب صحتها تقريباً، من معدل نبضات قلبها إلى قياس جودة نومها في الليلة السابقة؛ مع اقتراحات بشأن الطعام والتمارين الرياضية؛ والتحقق من الطقس وأخبار اليوم.

أما جهاز «سامسونغ» اللوحي - واحد من اثنين في كل منزل - فهو نافذتها على كل زاوية، وركن افتراضي في هذا المنزل الذكي. ومن خلاله يمكن معرفة ما هي الأجهزة التي تعمل، وكم الطاقة التي تستهلكها الأسرة، وإذا كان هناك طرد في صندوق بريدها، ومعلومات عن الأطعمة في الثلاجة، التي ستنتهي صلاحيتها.

ولي وأختها الصغرى ووالداهما، من بين 54 عائلة تم اختيارها لتتم دراستها في قرية إيكو دلتا. وعند اكتمالها، سيجمع تطوير مدينة إيكو دلتا الذكية إجمالي 30 ألف منزل على مساحة 11.8 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الرطبة الساحلية، في دلتا نهر ناكدونغ، بكلفة تقارب نحو 5.6 مليارات دولار.

ويُعد بناء هذه المدينة الذكية في بوسان، إحدى أكثر المحاولات بعيدة المدى، حول العالم، لإنشاء «مدن ذكية». وتخطط مجتمعات أخرى، أيضاً، لبناء أو إعادة بناء مدن، أو أحياء؛ بناءً على البيانات ونهج شامل لخلق بيئات عمل حية أكثر صحة واستدامة. وتقوم «تويوتا» ببناء مدينة في اليابان لدراسة تقنيات جديدة للذكاء الاصطناعي. وتمت دراسة استخدامات التكنولوجيا وسكان الأحياء في هلسنكي وفنلندا وأمستردام، حيث استخدموا التكنولوجيا الذكية المضافة إلى المنازل. ولكن الهدف هو بناء هذه المدينة - في كوريا الجنوبية - من الصفر بطريقة ذكية تماماً.

أكثر شمولاً

وفي ذلك، يقول نائب مدير مشروع المدينة الذكية بوزارة الأراضي والصناعة والنقل، لي جاي مين: «من خلال بناء مدينة جديدة من الألف إلى الياء، يمكننا الخروج بمدينة أكثر شمولاً»، موضحاً «لن يكون ذلك قريباً، ولكن في المستقبل، نخطط للحصول على نموذج قياسي لمدينة ذكية وتصديرها إلى العالم».

مشروع بوسان، الآن، في المرحلة التجريبية، ليس فقط لتقييم كيفية عيش الكوريين الجنوبيين، ولكن، أيضاً، كيف يمكن للحكومة والقطاع الخاص بناء بنية تحتية أكثر كفاءة باستخدام الطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية، بالإضافة إلى أجهزة أكثر كفاءة في استخدام الطاقة.

ويقول أستاذ التصميم الحضري والعمارة في سيؤول، دونيان كيم: «بالنظر إلى أن كوريا الجنوبية يجب أن تستورد الكثير من طاقتها، فإن نجاح هذه المشروعات التجريبية للمدن الذكية مهم وعاجل للغاية، وأيضاً، نظراً لوجود مساحة محدودة من الأرض والكثير من الناس، ما أدى إلى طلب جديد لمدن أكثر ذكاءً».

وأشار كيم إلى أن المنتجات الذكية قد تم دمجها بالفعل في المكاتب والمنازل. وأوضح أن «المدينة الذكية التي تم تصورها من الألف إلى الياء هي مجرد نسخة أكثر شمولاً من ذلك».

وتعيش 54 أسرة في القرية الذكية النموذجية، التي تراوح من وحدات فردية إلى منازل من ثلاث غرف نوم، دون إيجار (يدفعون فقط مقابل الكهرباء والمياه) لمدة ثلاث سنوات، مع إمكانية التمديد لمدة عامين، وتتم مشاركة البيانات الخاصة بالعائلات مع الجهات المعنية. وستتم دراستها من قبل المطورين ومصنّعي الأجهزة والحكومة وخبراء الرعاية الصحية.

أهمية المعلومات

وقال مين: «بمجرّد انتهاء التجربة التي تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، وتصبح المدينة مأهولة بشكل كامل، لن نقوم بعد ذلك بدراسة المعلومات، لكن التكنولوجيا في هذه المنازل ستقوم بذلك»، متابعاً «يعرف جميع السكان الحاليين مدى أهمية توفير هذه المعلومات، ومع كل البيانات التي نجمعها من خلال القرية الذكية، يمكننا بناء مدينة أكثر ذكاءً».

وتتمحور الرؤية الكبرى للتطوير حول الاستدامة؛ وعلى الرغم من أنها ستبقى جزءاً من مدينة بوسان، إلا أن المدينة الذكية الجديدة ستتمتع بمعالجة مياه الصرف الصحي ومعالجة المياه والكهرباء من خلال الطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية.

وسيتم ري جميع المساحات الخضراء بمياه الصرف الصحي المعاد تدويرها. وستأتي مياه الشرب من نهر «ناكدونغ»، وتتم تصفيتها باستخدام أحدث التقنيات. وستؤدي الطاقة الحرارية المائية الناتجة عن الكميات الهائلة من المياه الجوفية، جنباً إلى جنب مع الألواح الشمسية المُثبتة على أسطح المنازل، إلى تقليل التكاليف والأثر البيئي إلى الحد الأدنى. وستسلم الطائرات بدون طيار الطرود، وستقوم الروبوتات الصغيرة بتنظيف الشوارع ومراقبتها من أجل السلامة.

لكن، لبناء مدينة ناجحة للمستقبل، فإن دراسة السلوكيات الحالية لسكان القرية الذكية أمر ضروري، وفقاً لمخططي المشروع. ويمكن أن تكون الأعمال الروتينية اليومية للسكان واستخدامهم للطاقة مهمة للغاية في كيفية تصور المدن المستقبلية.

• 30000 منزل سيتم إنشاؤها على مساحة 11.8 كيلومتراً مربعاً، من الأراضي الرطبة الساحلية.


مراقبة مستمرة

قال المدير العام لمؤسسة كوريا للموارد المائية، كيم دوغيان، إن «كل ساكن لديه ساعة ذكية تتم مزامنتها مع المرآة والنظام العام في المنزل، من أجل المساعدة في تطوير قرية إيكو دلتا الذكية»، متابعاً، «إنها تراقب جسمك وتقيّمك باستمرار؛ ومن الضروري أن يرتدي الجميع ساعة لمدة ثلاث سنوات».

وبالنسبة إلى عائلة سونغ لي، من المثير أن تكون جزءاً من برنامج الاختبار، لاسيما التجربة الساحرة غير المتوقعة لمنزلهم.

وتقول لي: «في الساعة 7 صباحاً، يضيء الضوء في غرفة نومي تلقائياً، ويقول المتحدث: «مرحباً، سونغ لي، صباح الخير. من فضلك تحرك»، وتابعت: «قبل أسابيع، أحرقنا شيئاً ما في المطبخ، وقام نظام فلتر الهواء بإزالته على الفور، واستشعر النظام أن شيئاً ما كان خطأ وتعامل معه. إنه منزل يُفكر».

مخاوف الخصوصية

مع تجميع البيانات المكثفة للمساعدة في تخطيط الرعاية الصحية، في المدينة الذكية هناك بعض المخاوف بشأن الخصوصية ومشاركة المعلومات الشخصية مع الحكومات والشركات.

ويقول نائب مدير مشروع المدينة الذكية، لي جاي مين: «لم أسمع أي شكاوى حتى الآن من السكان، لكنني أعلم أن الناس في جميع أنحاء العالم، يمكن أن يكونوا حذرين بشأن إعطاء معلوماتهم الشخصية».

ومع ذلك، قال: «تقوم لجنة بصياغة إرشادات الخصوصية، وجميع المعلومات مشفرة».

وبالنسبة لعائلة سونغ لي، تعتبر الحياة في «إيكو دلتا سمارت فيلدج»، تجربة مزدوجة: ليس بالنسبة للمدينة قيد الإنشاء، ولكن أيضاً لأنفسهم.

وقالت لي: «في البداية اعتقدنا أن الانتقال إلى هنا قد يمثل تحدياً، نظراً لعدم وجود الكثير من البنية التحتية، مثل مترو الأنفاق أو محطات الحافلات، ومن الصعب الحصول على توصيل الطعام».

طباعة