العقوبات الغربية بدأت تؤثر في حياتهم اليومية

الروس بدأوا يُدركون أن عاصفة اقتصادية على وشك أن تضرب حياتهم

صورة

بين عشية وضحاها، تقريباً، أصبحت روسيا الدولة الأكثر تعرّضاً للعقوبات، منذ قرن على الأقل، إن لم يكن في أي وقت مضى. وقبل ثلاثة أسابيع تقريباً، تمتع معظم الروس بحياة مزدهرة نسبياً واستهلاكية، مع إمكانية الوصول إلى السلع والخدمات المألوفة لأي شخص في الغرب. وكانوا قادرين على السفر، واستخدام بطاقاتهم المصرفية، في روسيا وفي كل بلد تقريباً، وطلب الخدمات عبر الإنترنت، مثل بقية الناس في العالم، والتواصل على منصات عالمية، مثل «فيس بوك» و«إنستغرام» و«تويتر».

لكن ما يسمى بالعملية العسكرية الخاصة لروسيا في أوكرانيا أثارت عاصفة من العقوبات الاقتصادية والمالية، رداً على ذلك. وتضمنت العاصفة قرار علامات تجارية مثل ماكدونالدز وإيكيا وكوكا كولا، بالإضافة إلى 300 علامة أخرى، بإنهاء أنشطتها في روسيا أو «إيقافها مؤقتاً»، وباتت مكانة الروس في الاقتصاد العالمي المترابط على وشك الانتهاء، ربما بشكل دائم.

وتحدثت «المونيتور» مع مجموعة من الروس لمحاولة قياس تجاربهم الأولية، ومواقفهم، بشأن ما يبدو أنها أزمة طويلة الأمد ستغير نمط حياتهم. ووافق العديد من الأشخاص «العاديين» على التحدث بصراحة بشرط عدم استخدام أسمائهم العائلية. وتحدث عدد قليل من المحللين المعروفين بشكل رسمي، ولم يقدموا أي آراء سياسية قد تكون غير قانونية بموجب قانون جديد بشأن «الأخبار الكاذبة».

وتشير الصورة الناشئة إلى أن الجميع يدركون أن عاصفة اقتصادية على وشك أن تضرب حياتهم، بينما مازالت الأزمة في الأيام الأولى. وخلال جولة بالسيارة في موسكو، تبدو المشاهد طبيعية، مع القليل من الذعر.

وتحتوي متاجر البقالة على أرفف جيدة التجهيز وزيادات طفيفة في الأسعار حتى الآن. والأهم من ذلك، لايزال العملاء قادرين على الدفع ببطاقاتهم المصرفية المحلية، حتى لو كانوا يحملون شعار «فيزا» و«ماستركارد»؛ وذلك بفضل مشروع روسي بدأ في فجر العقوبات، قبل ثماني سنوات، لتطوير الاعتماد الذاتي بنظام دفع روسي، وهو الآن قيد التشغيل.

هناك طوابير في الصيدليات، حيث يتم قطع إمدادات الأدوية المستوردة، ولكن حتى الآن لا توجد علامات على الذعر في شراء الأطعمة الأساسية؛ على الرغم من وضع قيود قانونية بالفعل على الكميات التي يمكن شراؤها.

وفي الغالب، أولئك الذين لديهم صلات غربية، مثل الأسرة أو المصالح التجارية، أو خطط السفر؛ بدأوا في ملاحظة المشكلات الاقتصادية بجدية. وبالنسبة للبعض، كانت مشاعر الرقابة والعزلة العالمية هي الأكثر تأثيراً.

تقول ناديجدا، وهي منتجة تلفزيونية في الـ40 من عمرها، إن تراجع الروبل، وحظر تلقي العملات الأجنبية، وأسعار الفائدة المرتفعة (الآن تصل إلى 20٪)، كلها أمور مثيرة للقلق، موضحة «لكن في الوقت الحالي أشعر بالحزن بشأن ابنتي، التي اضطرت إلى إلغاء رحلة عيد ميلادها إلى الخارج، لأن الأجواء أغلقت فجأة»، كما تقول: «لقد خسرت مالها، لكن الأسوأ من ذلك بكثير هو ما شعرت به. أفترض أنه يمكننا التعايش من دون الوجبات السريعة المفضلة لدينا والألعاب والأفلام، فهذا لا شيء مقارنة بما يمر به هؤلاء الأشخاص في أوكرانيا».

وتستدرك المواطنة الروسية «ولكن ماذا عن المستقبل؟ ستؤدي البطالة والتهميش الاجتماعي إلى مزيد من الجرائم، وهذا هو سبب خوفي الأكبر».

وتقول أنتونينا، وهي ربة بيت في منتصف العمر وزوجها أوكراني، إنها ليست قلقة بشأن النقص في السلع، «إذا كان الأسوأ هو الأسوأ، فسنأكل جذور الشمندر، كما فعلنا من قبل».

لكن زوجها، يفغيني، وهو رجل أعمال من أوديسا وعضو في الشتات الأوكراني، في روسيا، يقول إن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، موضحاً «لم يعد هناك عمل لي هنا، ولا يمكنني تلقي مدفوعات من الخارج، في حين ترفض شركات النقل تسليم الحاويات، حتى لو كانت تحمل بضائع مصرح بها.

والحياة اليومية تنهار، مع القمع المتزايد، وأخشى أن يتم وصفي كعميل أجنبي إذا واصلت العمل في شركة دولية. لذلك، قررت الهجرة».

وتقول أولغا، وهي معلمة متقاعدة: «أكره عبارة المسؤولية الجماعية. وأرى الأوقات العصيبة مقبلة، وأشعر بالأسف تجاه الشباب الذين ليس لديهم خبرة بالمتاعب التي مررنا بها في الحقبة السوفيتية»، متابعة «لقد استنشقوا بالفعل روح الحرية وتذوقوا حياة جديدة!».

أجواء مغلقة

من المفارقات، يبدو أن الأشخاص الأكثر تأثراً على الفور هم الأشخاص الذين قرروا مغادرة روسيا، خوفاً من المستقبل أو معارضة سياسات الكرملين. ووفقاً للتقارير الواردة، غادر المئات من الصحافيين والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، وغيرهم من المهنيين، روسيا، بالفعل، مع سعي العديد منهم لاتخاذ هذا القرار.

«هلاو موف» هي خدمة هجرة مقرها هولندا تقدم مساعدة شاملة للروس الذين يسعون للانتقال إلى أوروبا، بما في ذلك تصاريح الإقامة والمشورة القانونية والمساعدة اللوجستية والمساعدة في الاستقرار. وخلال العامين الماضيين، ساعدت الشركة نحو 250 روسياً، معظمهم من المهنيين ورجال الأعمال والطلاب، للقيام بهذه الخطوة.

ويقول الرئيس التنفيذي لشركة «هلاو موف»، يوري فيلنسكي، إن العمل أصبح أصعب بكثير، الآن، لأن معظم السفارات والقنصليات الأوروبية، في روسيا، أغلقت أبوابها. وفي غضون ذلك، أغلقت جميع الدول الأوروبية، تقريباً، مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية، وردت موسكو بإغلاق المجال الجوي الروسي أمام شركات الطيران الغربية.

كارثة التسعينات

ويقول فيلينسكي: «لقد أصبح الأمر أكثر صعوبة منذ التغيير في الوضع الجيوسياسي، ولكن لايزال بإمكاننا إجراء هذه الترتيبات من خلال البلدان التي لاتزال أبوابها مفتوحة في كلا الاتجاهين، مثل جورجيا وأرمينيا وتركيا، وعدد قليل من البلدان الأخرى». ويبدو أنه واثق من أنه سيتم العثور على حلول، أو على الأقل حلول بديلة، لمعظم المشكلات.

وتشكل قواعد العملة الجديدة في روسيا وحظر استخدام البطاقات المصرفية الدولية عقبة بالتأكيد. ويقول فيلينسكي: «سيبدأ الناس باستخدام النقود، كما فعلوا في التسعينات». وبالفعل، يتذكر الكثير من الناس كارثة التسعينات، عندما انهار الاقتصاد الروسي واضطر الناس إلى إيجاد طرق مبتكرة للبقاء على قيد الحياة.

وبموجب القانون المقترح، يمكن الاستيلاء على أي شركة يتم إغلاقها، في حال عدم وجود أسباب اقتصادية واضحة»، من قبل الدولة، والتي ستبقيها تعمل، حتى يتم بيعها كشركة جديدة لمالك محلي.

ويقول المحلل السياسي المخضرم، أندريه كوليسنيكوف، المقيم في موسكو، إنه حتى الآن يبدو أن معظم الناس يتأقلمون مع الظروف المتغيرة بسرعة، لكنهم لا يشككون في قناعاتهم السياسية.

ويذهب الناس إلى المتاجر، وينفقون الأموال، التي تفقد قيمتها، على السلع التي تختفي بسرعة، وفقاً للمحلل الروسي، ولكن ذلك لم يؤثر بعد في موقفهم من الصراع. وتابع كوليسنيكوف: «أنا عضو في مجموعة فرعية صغيرة من الأشخاص الذين يمكن أن يتعرضوا للاضطهاد سياسياً بصفتي منتقداً قديماً للكرملين، «لكن لا يمكنني الحصول على المال. لقد قدمت (فيزا) و(ماستركارد) خدمة كبيرة لبوتين، لأنه لا يمكننا الآن استخدام بطاقاتنا في الخارج.

وأنا أفهم المنطق بأننا جميعاً مسؤولون عن رئيسنا. لكنني لست مسؤولاً، ولا الكثير من زملائي، ومع ذلك فنحن أول من يدفع الثمن».

• يتذكر الكثير من الروس كارثة التسعينات، عندما انهار الاقتصاد واضطر الناس إلى إيجاد طرق مبتكرة للبقاء على قيد الحياة.

• من المفارقات، يبدو أن الأشخاص الأكثر تأثراً على الفور هم الأشخاص الذين قرروا مغادرة روسيا، خوفاً من المستقبل أو معارضة سياسات الكرملين.

• 250 روسياً، معظمهم من المهنيين ورجال الأعمال والطلاب، هاجروا إلى أوروبا، خلال العامين الماضيين.

طباعة