الصين تحاول أن تكون الأولى

سباق محموم بين القوى الكبرى للحصول على أسرع صاروخ

صورة

اتخذ سباق الحصول على أسلحة تفوق سرعة الصوت، بين الصين وروسيا والولايات المتحدة، منعطفاً مفاجئاً ودراماتيكياً، ما أدى إلى مخاوف من إعادة النظر في خفض ترسانة الردع النووية.

ويُعتقد أن الصين أجرت تجربة ناجحة، في أغسطس، إذ جمعت بين تكنولوجيا الصواريخ البالستية، للحرب الباردة، والتقنيات الجديدة فائقة السرعة، لإثبات قدرتها على تشغيل «مركبة انزلاقية» نووية تفوق سرعة الصوت، وقالت تحليلات الاستخبارات الغربية إن الإطلاق لم يكن عسكرياً، وأصرت على أنه كان اختباراً لمركبة فضائية مدنية جديدة. ومع ذلك، إذا ثبتت صحة التقارير حول الاختبار، سيمثل ذلك تصعيداً خطيراً في عصر الأسلحة التي تفوق سرعة الصوت، وربما يمنح الصين ميزة عن منافسيها.

وتُعدّ تقنية «هايبر سونيك» أحدث جبهة في سباق التسلح بين الدول الثلاث، إذ يتم إنفاق مليارات الدولارات على تطوير أسلحة، يمكن أن تصل إلى سرعات تراوح بين 5 و27 ماخ، أي ما يعادل 20 ألف ميل في الساعة.

وتركز الولايات المتحدة وروسيا على الفئتين نفسيهما من الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، الأول مركبة انزلاقية تفوق سرعة الصوت، ويتم إطلاقها من صاروخ بسرعة تزيد على خمسة ماخ (3700 ميل في الساعة)، على حافة الغلاف الجوي للأرض، ثم تقوم بعد ذلك بتوجيه إلى الهدف أثناء الانزلاق إلى الأرض، ما يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التتبع بوساطة أجهزة الاستشعار الفضائية أو الأرضية، وتزعم روسيا أن صاروخها، الفائق السرعة وغير محدود المدى والقادر على حمل نووي، «أفانغارد»، يعمل بالفعل.

والثاني صاروخ «كروز» تفوق سرعته سرعة الصوت، ويتم إطلاقه بوساطة طائرة أو سفينة حربية أو غواصة، وله نطاق محدود، لكنه يصل إلى سرعات مماثلة بمساعدة محرك «سكرام جيت»، وهو محرك احتراق أسرع من الصوت، وتقوم روسيا بتطوير مثل هذا النظام ليكون بقدرة نووية، يسمى «زيركون»، ولدى الولايات المتحدة برنامج يسمى «بروجكت ميهم»، يهدف إلى تطوير صاروخ «كروز»، أكبر وأطول مدى تفوق سرعته سرعة الصوت، لكنه ليس صاروخاً نووياً.

أهداف أرضية

ويبدو أن اختبار الصين، في أغسطس، وفقاً لتقرير استخباراتي في «الفاينانشيال تايمز»، كان يهدف إلى نظام ثالث: استخدام الصواريخ البالستية لإطلاق مركبات انزلاقية، قابلة للمناورة في مدار منخفض، إذ يمكن أن تبقى حتى يتم توجيهها إلى أهداف أرضية بسرعة تفوق سرعة الصوت، وهناك مزايا أخرى لهذه التقنية مقارنة بالصواريخ البالستية التقليدية التي يمكن رصدها عند الإطلاق، واعتراضها أثناء مسارها، ويمثل وضع رأس حربي نووي على مركبة عائدة من الفضاء، ثم تنحرف في الغلاف الجوي، بينما تتجه نحو الهدف بسرعة كبيرة، تحدياً أصعب بكثير.

وقال المتخصص في الدفاع الصاروخي والأسلحة النووية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إيان ويليامز، إنه يعتقد أن الصينيين كانوا يطبّقون خطة سوفييتية من السبعينات لتطوير «نظام قصف مداري»، وأوضح ويليامز: «بدلاً من امتلاك صاروخ بالستي يرتفع إلى الفضاء ويهبط مرة أخرى، فإنهم يهدفون إلى إطلاق الرأس الحربي النووي في مدار منخفض، ثم إبقائه في المدار لأطول فترة ممكنة».

وترى الصين الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت وسيلة لاجتياز الدفاعات الصاروخية الأميركية، وبعبارة أخرى يريدون تعريض أهداف الولايات المتحدة للخطر، وجعل واشنطن تتردد في مواجهة الصين.

وأضاف الخبير: «الولايات المتحدة، على سبيل المقارنة، لا ترى الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت أسلحة نووية، لكن كنظم تقليدية يمكن أن تقضي على أهداف حساسة، وعلى سبيل المثال، إذا تم رصد كوريا الشمالية وهي تُجهز صواريخ بالستية للهجوم على الولايات المتحدة، فقد يكون أمام القادة السياسيين الأميركيين ساعتان لاتخاذ قرار لاتخاذ إجراء وقائي، وسيكون استخدام صاروخ توماهوك (صاروخ كروز للهجوم الأرضي بسرعة 500 ميل في الساعة) بطيئاً للغاية».

من جهته، قال المسؤول عن برامج الأسلحة التي تفوق سرعة الصوت في وزارة الدفاع الأميركية، مايك وايت، إن الهدف هو امتلاك صاروخ يقطع مسافة 500 ميل في 10 دقائق، موضحاً: «إذا كنت تريد حقاً مد يد العون والوصول إلى شخص ما على بُعد 3000 ميل بحري، فيمكنك فعل ذلك باستخدام نظام تفوق سرعته سرعة الصوت، وقدراتنا الحالية ليست مؤهلة لذلك».

وقال ويليامز إن «الولايات المتحدة تطور طرقاً لمواجهة الصواريخ التي تفوق سرعة الصوت، ولديها برنامج لوضع أقمار اصطناعية صغيرة في مدار منخفض، لاكتشاف مسار مركبات الانزلاق المقبلة»، وأوضح قائلاً: «من الأهمية بمكان أن يكون لدينا وعي بالحالة لمعرفة مكان تحليق المركبات التي تفوق سرعة الصوت، وإذا كنا لا نعرف مكانها، فلا وقت للقادة السياسيين لاتخاذ قرار حول كيفية اعتراضهم».

تحذير الخصوم

وأردف ويليامز قائلاً إن اهتمام روسيا بالأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، كان أكثر حول «إرسال إشارات» إلى الخصوم، «يزعمون أنهم أرسلوا بعضاً من هذه الأسلحة لكن بأعداد ضئيلة، وهم يقدمون عرضاً أكثر من كونه تهديداً صاروخياً حقيقياً».

وأشاد الرئيس، فلاديمير بوتين، بصاروخ «أفانغارد»، سلاحاً قادراً على التهرب من جميع الدفاعات الصاروخية، لكن حتى لو تم تصنيعه بأحدث التقنيات، فسيتعين على الصاروخ أن يتحمل الحرارة الشديدة الموجودة في الغلاف الجوي للأرض، وهو يسير بسرعة تفوق سرعة الصوت، لأي فترة زمنية.

وقال ويليامز: «لا أعتقد أن الروس قد أتقنوا ذلك بالفعل»، مضيفاً: «ما تتمتع به روسيا من ميزة هو صاروخ كروز زيركون فائق السرعة، الذي يرون أنه وسيلة لمواجهة التفوق التقليدي لحلف (الناتو)».

ومن الدول الأخرى التي تطور أسلحة تفوق سرعة الصوت، الهند وأستراليا وفرنسا، وألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان، وكوريا الشمالية التي تزعم أنها اختبرت نموذجها الأولي، المسمى «هواسونغ 8»، الشهر الماضي.

مخاطر حقيقية

أشار تقرير حديث، صادر عن مكتب مساءلة الحكومة الأميركية، بشأن التكنولوجيا فوق الصوتية، إلى أن هناك «70 جهداً لتطوير أسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت والتقنيات ذات الصلة، وتقدر كلفتها بنحو 15 مليار دولار، من السنوات المالية 2015 حتى 2024»، ومعظمها تابع لوزارة الدفاع، وفي كلمة ألقاها في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قال مايك وايت، الذي يدير برنامج «تفوق سرعة الصوت» في قسم الأبحاث والهندسة بوزارة الدفاع، إن خصوم أميركا اتخذوا هذا القرار لمصلحة الولايات المتحدة، إذ دفع واشنطن إلى إعطاء الأولوية للأنظمة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت. وفي شهر يونيو، أخبر مدير وكالة الدفاع الصاروخي، الأدميرال جون هيل، اللجنة الفرعية للقوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ والمعنية بالقوات الاستراتيجية، بأن «حاملات الطائرات الأميركية تواجه بالفعل مخاطر من الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وتدخل الآن في مخزون أعداء أميركا، وقد طورت البحرية (الأميركية) دفاعات مبكرة للتهديد»، وردّ المسؤول العسكري أن كلاً من الصين وروسيا قد نشرتا نسخاً مبكرة من أسلحتهما التي تفوق سرعة الصوت، ما يعرّض السفن الأميركية للخطر.

• تقنية «هايبر سونيك» تُعدّ أحدث جبهة في سباق التسلّح بين الصين وروسيا والولايات المتحدة.

طباعة