بعد انسحاب أميركا من أفغانستان

بايدن ينقل الحرب على الإرهاب إلى فصل جديد

صورة

أنهى الرئيس الأميركي، جو بايدن، أطول حرب تقوم بها الولايات المتحدة بعد سحب القوات الأميركية من أفغانستان، في أغسطس الماضي، وبذلك يكون بايدن قد التزم بالاتفاق الذي وقّعه سلفه الرئيس السابق، دونالد ترامب، مع «طالبان»، والذي يقضي بسحب القوات الأميركية من أفغانستان، ويكون بذلك قد التزم أيضاً بواحد من وعوده الأساسية في السياسة الخارجية، التي تقضي بوضع نهاية «للحروب غير المنتهية»، حيث غرفت القوات الأميركية في ما يراه بايدن أنه صراعات خطرة لا يمكن الانتصار بها، وتستنزف الموارد والاهتمام بقضايا أخرى مهمة، لكن أسلوب بايدن في اتخاذ القرارات يطرح أسئلة مهمة بشأن توجه أميركا في «الحرب على الإرهاب».

وفي 20 سبتمبر 2021، قال الرئيس السابق، جورج بوش الابن: «حربنا على الإرهاب بدأت على (القاعدة)، لكنها لا تنتهي هناك حتى يتم العثور على جميع المجموعات الإرهابية التي تمتلك قدرات عالمية، وتتم معاقبتها وهزيمتها»، وقال إن هذه الحرب يجب ألا تتكون من معركة واحدة، وإنما حملة طويلة بخلاف أي حملة شاهدناها من قبل، وتستخدم كل الآليات المتوافرة لاستهداف المنظمات الإرهابية، والدول التي تؤمّن ملاجئ لهذه المنظمات.

وكان الصراع في أفغانستان عبارة عن افتتاح لهذه الحرب الجديدة، عندما طالبت الولايات المتحدة «طالبان» التي تؤوي تنظيم «القاعدة»، بتفكيك معسكرات التدريب الإرهابية، وعندما رفضت تدخل الجيش الأميركي سريعاً وطرد «طالبان» من السلطة، وبقيت الولايات المتحدة في أفغانستان تتصيد الإرهابيين وأسامة بن لادن في ما بعد، وانخرطت القوات الأميركية، في نهاية المطاف، في عملية إعادة إنشاء الدولة لدعم المرحلة الانتقالية في أفغانستان نحو النظام الديمقراطي.

وتجنب الرؤساء الذين خلفوا بوش، الحديث عن مصطلح «الحرب على الإرهاب»، وأطلق الرئيس السابق، باراك أوباما، اسم «عملية الطوارئ خارج البلاد»، لكن إدارات أخرى انخرطت في جهود مكافحة الإرهاب، وبات الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان ربما السمة المرئية الأكبر على جهود هذه الحرب، لكنها لم تكن الوحيدة أو الأكثر أهمية.

وعلى سبيل المثال، نفذت حكومة الولايات المتحدة جهود مكافحة الإرهاب في 85 دولة بين 2018 و2020، وقامت بتدريب العديد من الجيوش والأجهزة الأمنية في نحو 80 دولة لتعزيز قدراتها على مكافحة الإرهاب، وفق ما ذكره باحثون من جامعة براون الأميركية، وشارك جنود الجيش الأميركي في مهام قتالية في ثماني دول، وانخرطوا في عمليات حربية تقليدية، إضافة إلى تنفيذ عمليات للقوات الخاصة تهدف إلى القتل أو الاعتقال، وتم استخدام الطائرات بلا طيار (درونز) ضد الإرهابيين، والميليشيات في سبع دول، وفي أربع دول أخرى، قام جنود الجيش الأميركي بتخطيط وتنظيم وتوجيه مهام تم تنفيذها من قبل الجيوش المحلية، وكانت مثل هذه الجيوش المحلية مثل القوات الكردية، تشكّل أهمية بالغة لنجاح الولايات المتحدة في المهام العسكرية.

ويبقى السؤال الذي لايزال مطروحاً بقوة، مفاده ما إذا كان قرار بايدن سحب الجيش الأميركي من أفغانستان يعد مؤشراً إلى أن تغيرات كبيرة في نهج الولايات المتحدة المتعلق بنشاطات مكافحة الإرهاب، التي تقع تحت بند «الحرب على الإرهاب»، وكانت المؤشرات الأولية توحي بأن ذلك لن يحدث.

وأنهى بايدن الوجود الأميركي في أفغانستان، وفي الوقت ذاته وعد بالانتقام ضد المسؤولين عن مقتل 13 جندياً أميركياً في كابول، أثناء عمليات الإجلاء من المطار، وجاءت الغارة التي قامت بها الدرون في ما بعد، وأثارت جدلاً كبيراً، فقد قتلت عدداً من المدنيين الأبرياء.

وقام بايدن بخطوات تهدف إلى وضع عدد من القيود على غارات الدرون، لكن ليس هناك أي مؤشر يدل على أنه يخطط للتخلي عن غارات الدرون تماماً، وتعد غارات الدرون مكوناً أساسياً لسياسته المعروفة بـ«وراء الأفق»، ويبدو أن بايدن يسعى فقط إلى السيطرة على البرنامج عن طريق فرض عدد من الإجراءات التي فرضت في عهد أوباما، والتي تقيد المعايير التي تتعلق بمن سيتم استهدافه بالدرون، وعلى الأرجح فإن بايدن سيزيد عدد الموافقات التي ينبغي الحصول عليها قبل تنفيذ أي غارة بوساطة الدرون.

وأعربت إدارة بايدن عن نياتها لتقييم وربما استبدال الأدوات القضائية التي تم استخدامها، لتبرير العديد من الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب الخارجي، وفي عام 2001 وافق الكونغرس تقريباً بالإجماع على إصدار قانون يبيح استخدام القوات العسكرية ضد المسؤولين عن هجمات 11 سبتمبر، وكانت لغة هذا القانون تبيح للرئيس استخدام كل القوة الضرورية والمناسبة ضد الدول، والمنظمات، أو الأشخاص الذين يُعتبرون مسؤولين عن التخطيط أو السماح أو الالتزام أو تقديم المساعدة لمن نفذ هذه الهجمات.

وتم الاستشهاد بهذا القانون الذي يبيح للرئيس استخدام القوة عام 2001، باعتباره يوفر الموافقة على العمليات العسكرية ضد العديد من المنظمات الإرهابية، وتم استخدامه أيضاً لتأمين الموافقة على القيام بضربات ضد تنظيم «داعش»، الذي ظهر بعد عقد من زمن إصدار القانون، الذي يبيح للرئيس استخدام العقوبة العسكرية ضد الإرهابيين، ويرجع ذلك إلى أنه تم تفسير هذا القانون باعتباره يبيح استخدام القوة العسكرية ضد أي منظمة إرهابية مرتبطة بـ«القاعدة» أو «طالبان»، وكانت «داعش» تقع ضمن هذه المظلة لأنها خرجت من عباءة «القاعدة» في العراق.

ويبدو أن بايدن يهدف إلى تحديد هذا القانون، وجعله أكثر تحديداً في تصنيف الأهداف بصورة واضحة، ولا يمكن تفسيره على نحو واسع (كما كان يتم تفسيره في السابق)، كي يسمح بالقيام بعمليات عسكرية ضد منظمات غير معروفة الأسماء، من دون اللجوء إلى الحصول على قبول الكونغرس، وهو لا يسعى إلى إنهاء الجهود العسكرية ضد الإرهاب الأجنبي.

وعن طريق الانسحاب من أفغانستان فإن بايدن أبعد جنود الجيش الأميركي عن طريق الإصابة بأي أضرار محتملة، لكن من غير الواضح كيف سيؤثر ذلك في التهديد الذي يشكله الإرهابيون للولايات المتحدة، والزمن كفيل بالكشف عما إذا كانت «طالبان» ستلتزم بالاتفاق بعدم السماح ببقاء إرهابيين على أراضيها ينوون القيام بهجمات ضد الولايات المتحدة أو أحد حلفائها.

ويرى تنظيم «داعش في خراسان» أن «طالبان» هم عملاء الولايات المتحدة، وثمة مخاوف من أنها ستواصل تصعيد هجماتها في أفغانستان، ويبقى أن ننتظر للوقوف على ما إذا كانت «طالبان» مستعدة أو قادرة على احتواء «داعش في خراسان»، وسيركز نهج بايدن المعروف «وراء الأفق» على جهود مكافحة الإرهاب بالضربات الجوية من خلال الدرون، لأنها تقلل من وجود الجنود الأميركيين على الأرض إلى أدني معدل ممكن، ويجب أن يمر وقت مناسب قبل الحكم على إن كانت هذه الاستراتيجية قادرة على معالجة التهديد الإرهابي الأجنبي والمتواصل بصورة كافية. ويجب الانتظار أيضاً لمعرفة مدى تأثير انسحاب الجيش الأميركي في التطرف بصورة عامة في المنطقة وفي الولايات المتحدة، وتم تصوير الانسحاب الأميركي باعتباره نصراً مؤزراً وكبيراً لـ«طالبان»، فقد غادر الأميركيون، وانهارت الحكومة التي كانت تدعمها واشنطن في كابول، وسيتم إنشاء حكومة تحكم بموجب الدين بدلاً منها، الأمر الذي من شأنه إلهام المتطرفين الذين يشاطرونها الأهداف ذاتها، وقالت وزارة الداخلية الأميركية في نهاية عام 2020 إن الإرهاب الخارجي لن يكون له تهديد يذكر للولايات المتحدة، وإنما يبقى التهديد الأكبر من الإرهاب المتنامي داخل الولايات المتحدة، الذي يستلهم من أيديولوجيات منظمات إرهابية خارجية، ويتطلب نهج بايدن لمحاربة الإرهاب مزيداً من الجهود المكثفة ضد هذه التهديدات المحلية. وبناء عليه، بدلاً من إنهاء «الحرب على الإرهاب» فإن جهود إدارة بايدن تسعى فقط إلى تحريكه إلى فصل جديد، سيحتفظ هذا الفصل بالعديد من العناصر التي أصبحت حجر الزاوية في جهود محاربة الإرهاب.

ديفيد ويبر ■ أستاذ جامعي في كلية «دوغلاس وايلدر» الأميركية للعلاقات الحكومية والعامة

• تجنب الرؤساء الذين خلفوا بوش الحديث عن مصطلح «الحرب على الإرهاب» وأطلق الرئيس السابق باراك أوباما اسم «عملية الطوارئ خارج البلاد» ولكن إدارات أخرى انخرطت في جهود مكافحة الإرهاب.

طباعة