العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    بعد انسحابها المتعجّل من أفغانستان

    لم يعد القادة الشرق أوسطيون يعوّلون على أميركا كثيراً

    صورة

    غادرت آخر رحلة جوية أميركية مطار كابول وسط ضجيج احتفالي بنيران حركة «طالبان»، في الوقت الذي تدق فيه كارثة انسحاب الولايات المتحدة والغرب من أفغانستان ناقوس الخطر من شرق أوكرانيا إلى مضيق تايوان، حيث أدى استيلاء «طالبان» على البلاد بعد حرب استمرت 20 عاماً إلى انتشار ما يشبه القشعريرة في وسط وجنوب آسيا.

    إلّا أن ذلك كان له وقع مختلف في الشرق الأوسط، حيث ساحة الغزوات الأنغلو أميركية المتسلسلة. فقد كان رد فعل القادة على استسلام الولايات المتحدة مغايراً، حيث بدا الحلفاء والخصوم، على حد سواء، يدركون أنهم لا يستطيعون الاعتماد كثيراً على الولايات المتحدة بعد ذلك.

    لا أحد ينكر القوة العسكرية الفريدة التي تمتلكها الولايات المتحدة، ولكن قبل وقت طويل من اعتراف واشنطن بالهزيمة في أفغانستان، كان القادة الشرق أوسطيون يدركون أن الغزو والاحتلال بقيادة الولايات المتحدة للعراق عام 2003، قد برهن على حدود قوة أميركا، وعدم قدرتها على تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة.

    إنفاق بلا طائل

    وعلى الرغم من إنفاق أميركا تريليونات الدولارات في العراق وأفغانستان على تدريب وتجهيز قواتهما المسلحة، إلّا أن الجيش العراقي الذي تضعضع جراء الفساد والطائفية قد ذاب تماماً قبل هجوم «داعش» القادم من سورية في عام 2014، مثلما ترك الجيش الأفغاني أجهزته الأميركية الصنع وهرب من مواجهة «طالبان».

    عدم الموثوقية الأميركية دفع القادة في جميع أنحاء الشرق الأوسط إلى بدء حوار بينهم يهدف إلى التهدئة والتقارب، بدلاً من الاعتماد على الغرباء، فقد هاجم النقاد في جميع أنحاء العالم الرئيس جو بايدن لفشله في الانسحاب من أفغانستان.

    ويلاحظ المسؤولون في الشرق الأوسط نمطاً يمتد إلى الماضي ليشمل العديد من الرئاسات الأميركية، فقد اختار الرئيس السابق، جورج دبليو بوش، البقاء في أفغانستان، بينما حوّل اهتمام الولايات المتحدة ومواردها إلى العراق، الذي فشل فيه فشلاً ذريعاً، ما أدى إلى إحياء نار الصراع القديم بين السنة والشيعة في حروب بالوكالة على مستوى المنطقة برئاسة إيران أو عملائها. وفشل باراك أوباما في عام 2013 في فرض «خطه الأحمر» ضد النظام السوري عندما استخدم غاز الأعصاب ضد المعارضة التي تدعمها واشنطن من الخطوط الجانبية.

    وأدرك دونالد ترامب أن خروجه من سورية والعراق سيصبح في حالة من الفوضى عندما أبرم في فبراير من العام الماضي، اتفاق الانسحاب مع «طالبان»، ما أدّى في ما بعد إلى تقويض الحكومة الأفغانية التي لم يكلف نفسه عناء التشاور معها. الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة هو رفض ترامب تقديم المساعدة للسعودية، بعد أن هاجم حلفاء إيران شركة أرامكو السعودية في عام 2019 بطائرة بدون طيار وصواريخ.

    والآن يحاول القادة العرب استباق موجة الأحداث قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه، فقد بدأت إيران والسعودية، على الرغم من خلافهما الذي يمتد من اليمن إلى سورية ومن العراق إلى لبنان، اجتماعات في أبريل. واستضاف العراق، الذي يكافح من أجل البقاء كدولة موحدة، قبل أيام قلائل، قمة جمعت قادة المنطقة.

    محاولة منع الكارثة

    لكن يتعين على بايدن الآن إيجاد طريقة لمنع الكارثة الأفغانية من زيادة جرأة إيران، فقد ساعدت السياسة الأميركية في المنطقة طهران على بناء محور شيعي عبر الأراضي العربية منذ غزو العراق، والذي أتى بأغلبية القادة الشيعة المتدينين إلى السلطة هناك.

    أحد أهداف بايدن الرئيسة في المنطقة يتمثل في إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران، الذي وقعته إيران والولايات المتحدة وخمس قوى عالمية في عهد أوباما، والذي انسحب منه ترامب من جانب واحد في عام 2018. وتريد الولايات المتحدة وحلفاؤها من خلال مفاوضات الملف النووي أيضاً كبح عدوان إيران، والقوات شبه العسكرية الشيعية المدعومة من طهران في بلاد الشام والخليج.

    وأدت الاجتماعات غير المباشرة في فيينا إلى اقتراب واشنطن وطهران، إلى حد كبير، من التوصل إلى اتفاق نووي قبل انتخاب الرئيس الإيراني المتشدد الجديد إبراهيم رئيسي. ويقول رئيسي إن إيران ستدعم أي اتفاق نووي يرفع العقوبات التي أعاد ترامب فرضها على إيران.

    وتقول الولايات المتحدة إن هذا مطروح على الطاولة في فيينا، لكن قد يحتاج بايدن الذهاب إلى أبعد من ذلك. وانسحبت الولايات المتحدة من اتفاق 2015 من جانب واحد، لكن إيران لم تبدأ في انتهاك التزاماتها النووية إلا بعد عام من ذلك. وإذا بدأ بايدن في رفع العقوبات من جانب واحد فإن ذلك قد يتسبب في مأزق.

    وقد تكون إيران أيضاً على استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة بشأن أفغانستان (كما فعلت بعد هجمات 11 سبتمبر)، لكي لا تحتضن أفغانستان تنظيم «داعش» مرة أخرى. وكانت إيران قد تحالفت مع الولايات المتحدة ضد هذا التنظيم، بعد أن اجتاح العراق انطلاقاً من سورية عام 2014.

    وتحتاج إيران إلى إغاثة اقتصادية، ويريد القادة العرب التركيز على التنمية والتنويع بعيداً عن النفط، وهي ضرورات عبر منطقة مليئة بالتوقعات غير الملائمة للسكان الشباب. وانسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان، واضطرت إلى مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع «طالبان»، بما يتماشى مع مصالحها المتصورة.

    وفي منطقة تتعلم للتو درساً آخر في عدم الوثوق بالولايات المتحدة، فإن واشنطن بالتأكيد ستدرك قوة المصلحة الذاتية للآخرين.

    ديفيد غاردنر ■ كاتب رأي بصحيفة «الفايننشال تايمز»

    قبل وقت طويل من اعتراف واشنطن بالهزيمة في أفغانستان، كان القادة الشرق أوسطيون يدركون أن الغزو والاحتلال بقيادة الولايات المتحدة للعراق عام 2003، قد برهن على حدود قوة أميركا، وعدم قدرتها على تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة.

    على الرغم من إنفاق أميركا تريليونات الدولارات في العراق وأفغانستان على تدريب وتجهيز قواتهما المسلحة، إلا أن الجيش العراقي الذي تضعضع جراء الفساد والطائفية قد ذاب تماماً قبل هجوم «داعش» القادم من سورية في عام 2014، مثلما ترك الجيش الأفغاني أجهزته الأميركية الصنع وهرب من مواجهة «طالبان».

    • قد تكون إيران أيضاً على استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة بشأن أفغانستان (كما فعلت بعد هجمات 11 سبتمبر)، لكي لا تحتضن أفغانستان تنظيم «داعش» مرة أخرى.

    طباعة