العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    الدعم المشروط سيردع السياسات المتهوّرة (1-2)

    العلاقة الأميركية - الإسرائيلية.. من التحالف إلى «الصداقة»

    صورة

    سلّطت الأحداث الأخيرة التي وقعت في غزة الضوء على العلاقات الأميركية - الإسرائيلية بشكل غير مسبوق، إذ بدأت الإدارة الأميركية تتبرم من تصرفات حليفها الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وسط حملة غير مسبوقة من الضغوط الداخلية، وبالذات من داخل الحزب الديمقراطي، إذ تتزايد المطالبات للرئيس الأميركي جو بايدن بضرورة ان تحاسب إسرائيل على تصرفاتها، وأن تخضع للقوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

    وتجد الإدارة الأميركية نفسها في حرج وعجز عن الدفاع المستمر عن تصرفات إسرائيل، وبالذات ما يحدث في القدس الشرقية من اقتحامات للمسجد الأقصى وضغوط لترحيل أهالي حي الشيخ جراح، وهو ما يلقى معارضة شديدة من المجتمع الدولي.

    وسنحاول من خلال هذا التحقيق المطوّل لمجلة «فورين بوليسي» الأميركية تسليط الضوء على المتغيرات التي طرأت على علاقة الحليفين، واحتمالات استمرارها على القوة نفسها مستقبلاً، واستشراف ما إذا كانت إسرائيل لاتزال مهمة في الاستراتيجية الأميركية لمنطقة الشرق الأوسط، أم أن هذه الأهمية آخذة في التراجع يوماً بعد يوم، وهو ما يستدعي مراجعة للعلاقة إلى أن تتحول الى علاقة عادية بين دولتين صديقتين.


    انتهت الجولة الأخيرة من القتال بين الإسرائيليين والفلسطينيين كالمعتاد، بوقف إطلاق النار، والذي ترك الفلسطينيين أسوأ حالاً، مع عدم معالجة القضايا الأساسية. وقدمت هذه الجولة المزيد من الأدلة على أن الولايات المتحدة يجب ألّا تمنح إسرائيل، بعد الآن، دعماً اقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً غير مشروط، إذ إن تكاليف هذه السياسة مرتفعة وآخذة في الارتفاع. وبدلاً من أن تربطهما علاقة خاصة، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل بحاجة إلى علاقة طبيعية.

    في الماضي، كان من الممكن تبرير وجود علاقة خاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، على أُسس أخلاقية. وكان يُنظر إلى إنشاء دولة يهودية على أنه استجابة مناسبة لقرون من معاداة السامية العنيفة في الغرب المسيحي، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر «الهولوكوست». ومع ذلك، كانت الحالة الأخلاقية مقنعة فقط إذا تجاهلنا العواقب، بالنسبة للعرب الذين عاشوا في فلسطين لقرون عدة، وإذا اعتقدنا أن إسرائيل دولة تشترك في القيم الأميركية الأساسية. وهنا، أيضاً، كانت الصورة معقدة. وربما كانت إسرائيل هي «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، لكنها ليست ديمقراطية ليبرالية مثل الولايات المتحدة، إذ من المفترض أن تتمتع جميع الأديان والأعراق بحقوق متساوية (على الرغم من عدم تحقق هذا الهدف بشكل كامل). وتماشياً مع الأهداف الأساسية للصهيونية، فضلت إسرائيل اليهود على الآخرين. لكن اليوم، قضت عقود من السيطرة الإسرائيلية الوحشية على الحجة الأخلاقية للدعم الأميركي غير المشروط.

    الإفلات من العقاب

    قامت الحكومات الإسرائيلية من جميع الأطياف السياسية بتوسيع المستوطنات، وحرمت الفلسطينيين من الحقوق السياسية المشروعة، وعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية داخل إسرائيل نفسها، واستخدمت القوة العسكرية الإسرائيلية المتفوقة لقتل وترهيب سكان غزة، والضفة الغربية، ولبنان، مع تمكنها من الإفلات من العقاب تقريباً. وبالنظر إلى كل هذا، فليس من المستغرب أن تقوم منظمة «هيومن رايتس ووتش»، ومنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «بتسيلم»، أخيراً، بإصدار تقارير موثقة جيداً ومقنعة، تصف هذه السياسات المختلفة بأنها «نظام فصل عنصري». وأدى الانجراف نحو اليمين، في السياسة الداخلية الإسرائيلية، والدور المتنامي للأحزاب المتطرفة في السياسة الإسرائيلية، إلى إلحاق المزيد من الضرر بصورة إسرائيل، بما في ذلك بين العديد من اليهود الأميركيين.

    وسيلة مفيدة

    في الماضي، كان من الممكن، أيضاً، القول إن إسرائيل كانت رصيداً استراتيجياً مهماً للولايات المتحدة، على الرغم من المبالغة في قيمتها في كثير من الأحيان. وخلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، كان دعم إسرائيل وسيلة فعالة لكبح النفوذ السوفييتي، في الشرق الأوسط، لأن الجيش الإسرائيلي كان قوة عسكرية أقوى بكثير من القوات المسلحة لحلفاء السوفييت، مثل مصر أو سورية. كما قدمت إسرائيل معلومات استخبارية مفيدة في بعض الأحيان. وقد انتهت الحرب الباردة، منذ 30 عاماً، ومع ذلك، فإن الدعم غير المشروط لإسرائيل، اليوم، يخلق مشكلات لواشنطن أكثر ممّا يحلّها. ولا يمكن لإسرائيل أن تفعل شيئاً لمساعدة الولايات المتحدة في حربها في العراق. وفي الواقع، كان على واشنطن إرسال صواريخ باتريوت إلى إسرائيل خلال حرب الخليج الأولى، لحمايتها من هجمات سكود العراقية.

    وحتى لو كانت إسرائيل تستحق الثناء على تدمير مفاعل نووي سوري ناشئ، في عام 2007، أو المساعدة في تطوير فيروس «ستوكسنت»، الذي أضرّ مؤقتاً ببعض أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، فإن قيمة ذلك الاستراتيجية أقل بكثير ممّا كانت عليه خلال الحرب الباردة.

    علاوة على ذلك، لا يتعين على الولايات المتحدة أن تقدم لإسرائيل دعماً غير مشروط لجني مثل هذه الفوائد. وفي غضون ذلك، تستمر تكاليف العلاقة الخاصة في الارتفاع. وغالباً ما يبدأ منتقدو الدعم الأميركي لإسرائيل، بأكثر من ثلاثة مليارات دولار من المساعدات العسكرية والاقتصادية التي تقدمها واشنطن لإسرائيل كل عام، على الرغم من أن إسرائيل، الآن، دولة غنية يحتل دخل الفرد فيها المرتبة التاسعة عشرة في العالم. وهناك بلاشك طرق أفضل لإنفاق هذه الأموال، لكنها تمثل قطرة في بحر دولة، يبلغ اقتصادها 21 تريليون دولار. والتكاليف الحقيقية للعلاقة الخاصة سياسية.

    مكانة أخلاقية

    كما رأينا خلال الأيام الماضية، فإن الدعم غير المشروط لإسرائيل يجعل من الصعب على الولايات المتحدة المطالبة بالمكانة الأخلاقية العالية على المسرح العالمي. وإدارة الرئيس جو بايدن حريصة على استعادة سمعة وصورة أميركا، بعد أربع سنوات في ظل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وهي تريد أن تميز بشكل واضح بين سلوك الولايات المتحدة وقيمها، وتلك الخاصة بخصومها مثل الصين وروسيا. وفي هذه العملية، تعيد ترسيخ نفسها كمحور أساسي لنظام قائم على القواعد. ولهذا السبب، أخبر وزير الخارجية الأميركية، أنتوني بلينكن، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أن الإدارة ستضع «الديمقراطية وحقوق الإنسان في قلب سياستنا الخارجية».

    ولكن عندما تقف الولايات المتحدة بمفردها، وتستخدم حق النقض ضد ثلاثة قرارات منفصلة لمجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار، تعيد التأكيد مراراً على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وتفوض بإرسال أسلحة إضافية بقيمة 735 مليون دولار لإسرائيل، وتقدم للفلسطينيين خطاباً فارغاً، بشأن حقهم في العيش بحرية وأمن مع دعم حل الدولتين؛ فإن ادعاءها بالتفوق الأخلاقي مكشوف باعتباره أجوف ومنافقاً. وفي خطوة لا تثير الدهشة، سارعت الصين إلى انتقاد الموقف الأميركي، وسلط وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، الضوء على عجز واشنطن عن العمل كوسيط عادل، وعرض استضافة محادثات السلام الإسرائيلية - الفلسطينية. وربما لم يكن عرضاً جاداً، لكن بكين تفعل ما هو أسوأ مما فعلت واشنطن في العقود الأخيرة. والكلفة الدائمة الأخرى لـ«العلاقة الخاصة»، هي الاستهلاك غير المتناسب لنطاق السياسة الخارجية مع إسرائيل.

    ويواجه بايدن وبلينكن ومستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، مشكلات أكبر، ما يدعو للقلق من تصرفات دولة شرق أوسطية صغيرة. ومع ذلك، ها هي الولايات المتحدة، مرة أخرى، متورطة في أزمة من صنعها، إلى حد كبير، وتتطلب اهتمامها وتستغرق وقتاً ثميناً، بعيداً عن التعامل مع تغير المناخ، والصين، والوباء، وفك الارتباط مع الأفغان، والانتعاش الاقتصادي، ومجموعة من المشكلات الأكثر ثقلاً. وإذا كانت للولايات المتحدة علاقة طبيعية مع إسرائيل، فإنها ستحظى بالاهتمام الذي تستحقه، ولكن ليس أكثر.

    الخطر الإرهابي

    ثالثاً، يؤدي الدعم غير المشروط لإسرائيل إلى تعقيد جوانب أخرى من الدبلوماسية الأميركية، في الشرق الأوسط. وسيكون التفاوض على اتفاقية بشأن الأسلحة النووية الإيرانية أسهل بكثير إذا لم تواجه الإدارة معارضة مستمرة من حكومة نتنياهو، ناهيك عن المعارضة الشديدة للعناصر المتشددة من اللوبي الإسرائيلي، هنا في الولايات المتحدة.

    ومرة أخرى، من شأن علاقة طبيعية أكثر مع الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية، أن تساعد جهود واشنطن طويلة الأمد للحد من الانتشار في أماكن أخرى. كما أن الرغبة في حماية إسرائيل تجبر واشنطن على الدخول في علاقات مع حكومات أخرى، في الشرق الأوسط، ليس لها سوى القليل من المعنى الاستراتيجي أو الأخلاقي. ودعم الولايات المتحدة لدول في المنطقة، يهدف جزئياً إلى إبقائها على علاقة جيدة مع إسرائيل وضد حركة المقاومة الفلسطينية (حماس).

    رابعاً، ساعدت عقود من الدعم غير المشروط لإسرائيل في خلق الخطر الذي واجهته الولايات المتحدة من الإرهاب. وكان أسامة بن لادن وشخصيات رئيسة أخرى في تنظيم «القاعدة»، مثال على ذلك، إذ كان مزيج الدعم الأميركي الثابت لإسرائيل، والمعاملة الإسرائيلية القاسية للفلسطينيين، أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتهم إلى مهاجمة «العدو البعيد». ولم يكن هذا هو السبب الوحيد، لكنه لم يكن مصدراً لقلق بسيط.

    كما كتب تقرير لجنة 11 سبتمبر الرسمي بشأن خالد شيخ محمد، الذي وصفه بأنه «المهندس الرئيس» للهجوم: «حسب روايته، فإن عداوة خالد شيخ تجاه الولايات المتحدة لم تنبع من تجاربه هناك باعتباره طالباً، بل بسبب خلافه العنيف مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة لمصلحة إسرائيل».

    ولن تختفي مخاطر الإرهاب إذا كانت للولايات المتحدة على علاقة طبيعية مع إسرائيل، لكن الموقف الأكثر عدالة والذي يمكن الدفاع عنه أخلاقياً، سيساعد في تقليل معاداة الولايات المتحدة؛ والمواقف التي أسهمت في التطرف العنيف في العقود الأخيرة. وترتبط العلاقة الخاصة، أيضاً، بالمغامرات الأكبر لأميركا، في الشرق الأوسط، بما في ذلك قرار غزو العراق في عام 2003.

    • عندما تقف الولايات المتحدة بمفردها، وتستخدم حق النقض ضد ثلاثة قرارات منفصلة لمجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار، تعيد التأكيد مراراً على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وتفوّض بإرسال أسلحة إضافية بقيمة 735 مليون دولار لإسرائيل، وتقدم للفلسطينيين خطاباً فارغاً، بشأن حقهم في العيش بحرية وأمن مع دعم حل الدولتين؛ فإن ادعاءها بالتفوق الأخلاقي مكشوف باعتباره أجوف ومنافقاً.

    • حتى لو كانت إسرائيل تستحق الثناء على تدمير مفاعل نووي سوري ناشئ، في عام 2007، أو المساعدة في تطوير فيروس «ستوكسنت»، الذي أضرّ مؤقتاً ببعض أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، فإن قيمة ذلك الاستراتيجية أقل بكثير مما كانت عليه خلال سنوات الحرب الباردة.

    • لن تختفي مخاطر الإرهاب إذا كانت الولايات المتحدة على علاقة طبيعية مع إسرائيل، لكن الموقف الأكثر عدالة والذي يمكن الدفاع عنه أخلاقياً، سيساعد في تقليل معاداة الولايات المتحدة؛ والمواقف التي أسهمت في التطرف العنيف في العقود الأخيرة. وترتبط العلاقة الخاصة، أيضاً، بالمغامرات الأكبر لأميركا، في الشرق الأوسط، بما في ذلك قرار غزو العراق في عام 2003.

    • قامت الحكومات الإسرائيلية من جميع الأطياف السياسية بتوسيع المستوطنات، وحرمت الفلسطينيين من الحقوق السياسية المشروعة، وعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية داخل إسرائيل نفسها، واستخدمت القوة العسكرية الإسرائيلية المتفوقة لقتل وترهيب سكان غزة، والضفة الغربية، ولبنان، مع تمكّنها من الإفلات من العقاب تقريباً.

    طباعة