استبقت قمة «الناتو» بدعوتهم إلى معالجة قضية أمنهم بأنفسهم

فرنسا تحث الأوروبيين على تعزيز قوتهم الدفاعية

صورة

عند الاستماع بانتباه إلى وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، يبدو الأمر كأن فرنسا ستفتقد إلى تنمّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في قمة مايو المقبلة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهذا لا يعني أن بارلي ورئيسها إيمانويل ماكرون، لا يرحبان بعودة الولايات المتحدة إلى الدبلوماسية بقيادة الرئيس جو بايدن، وتقول بارلي إن ذلك يجلب الشعور «بالسعادة»، لكن فرنسا تشعر بالقلق أيضاً من أن تجدد «الحب» بين طرفَي الأطلسي يمكن أن يؤدي إلى تباطؤ، أو حتى توقف، الصحوة بين الأوروبيين على الحاجة إلى إنفاق مزيد من المال على قضية الدفاع، وهو الأمر الذي طالب به ترامب بلهجة أقوى وأكثر فظاظة من سابقيه من الرؤساء الأميركيين، وقالت بارلي لصحيفة «بوليتكو»، في مقابلة بمكتبها في باريس: «يوجد في العلاقة الأوروبية الأطلسية شيء ثابت، مفاده أنه يجب على الأوروبيين معالجة قضية أمنهم بأنفسهم»، وأضافت: «لقد كان الحديث القاسي، المتعلق بالمشاركة في العبء الذي ألقاه الرئيس ترامب، فظاً من حيث الشكل لكنه يعبّر عن الحقيقة، وأنا واثقة تماماً بأن إدارة بايدن سترى أنه يجب على الأوروبيين أن يهتموا أكثر بموضوع أمنهم».

وتمتلك فرنسا أضخم جيش في الاتحاد الأوروبي بعد «البريكست»، وبقيت العضو الوحيد في الاتحاد الأوروبي الذي يملك مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى أن فرنسا تملك الأسلحة النووية أيضاً، كما أنه ليس هناك أي دولة في الاتحاد تجاريها من حيث القدرة على نشر قواتها التقليدية في مختلف أنحاء العالم، وعلى الرغم من ذلك فإن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي تتهم باريس بعدم الاكتراث لحاجاتها الأمنية والسعي لفرض رؤيتها الاستراتيجية ومضاعفة قوتها من خلالها، وينتقد النقاد على طرفَي الأطلسي السعي الفرنسي لتقوية الدفاعات الأوروبية، باعتبارها تهديداً لوحدة حلف «الناتو»، أو خطة لدعم وضع الأسلحة وصناعة الطائرات الفرنسية.

لكن بارلي ترفض هذه الادعاءات بقوة، وتصرّ على أن الحصول على دفاع أوروبي أكثر قوة يعد ضرورياً لدعم «الناتو»، وتقول إن الحلفاء الأوروبيين لا يمكنهم تجاهل التغيرات في السياق الاستراتيجي للعلاقة بين طرفَي الأطلسي، بغض النظر عمن يسكن البيت الأبيض، وقالت بارلي: «لقد انتقلت المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة هيكلياً إلى آسيا، بغض النظر عن رغبة الأوروبيين»، وأضافت: «إذا كنا نريد أن نلعب دورنا بصورة كاملة علينا أن نستمر كحلفاء جيدين، وأن نعمل على تطوير جهودنا الدفاعية، وفي الحقيقة فإن كون الأوروبيين أقوياء يمثل إسهاماً إيجابياً لحلف الأطلسي، وليس خطراً يضعفه».

وستكون الإسهامات الأوروبية إحدى القضايا الدقيقة التي سيناقشها قادة حلف «الناتو»، في مناخ هادئ من دون وجود ترامب، بقمتهم المرتقبة في بروكسل 14 يونيو الجاري، ويتوقع أن يقوم القادة بتحديث لمفهوم الحلف الذي مرّ عليه نحو عقد من الزمن، ويحددوا أهداف حلف «الناتو»، والمهام الأمنية الأساسية استعداداً لعام 2030.

وتتضمن هذه التحديات تزايد تركيز واشنطن الأمني على الصين، الأمر الذي لا يشاطرها فيه العديد من الحلفاء، وكذلك النشاطات العدائية لروسيا في أوكرانيا وبيلاروسيا وغيرهما، ناهيك عن اقتراب اتفاقات الحد من التسلح، التي تؤثر بصورة مباشرة في الأمن الأوروبي من نهايتها، وانعدام الاستقرار في جنوب وجنوب شرق أوروبا، والتهديدات السيبرانية الجديدة، والانشقاقات الداخلية في الحلف.

وفي الحقيقة فإن عدم التجاوب بصورة ملائمة مع هذه التحديات، سيؤدي إلى التشكيك في أهمية هذا الحلف الذي حذر ماكرون قبل عامين من أنه يعاني «موتاً دماغياً»، ومع ذلك، وفي الوقت الذي تدافع فرنسا من أجل تعزيز الدفاعات الأوروبية، فإن اقتراح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبيرغ، لزيادة ميزانية الحلف، لم يحظَ بالنجاح.

وخلال المقابلة تجنبت بارلي استخدام عبارة «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي»، باستثناء أنها قالت إن العبارة أخافت بعض الحلفاء، وأيدت فرنسا هذه العبارة للترويج لحلف الأطلسي باعتباره دعامة لأوروبا، لكن بعض الحلفاء يخشون خطر تفتيت الموارد الدفاعية الأوروبية المحدودة، وحرف الطاقة السياسية بعيداً عن حلف «الناتو».

لكن بارلي رفضت هذه المخاوف، موردة على عجل عمليات حلف شمال الأطلسي بدءاً من نشر قوات لتعزيز وجود الحلف على الحدود بين إستونيا وروسيا، إلى الدوريات البحرية في البحر المتوسط، والحماية الجوية فوق دول البلطيق، التي شاركت فيها فرنسا بقوة، والقدرة النارية والجاهزية الذي تضيفها للحلف، وقالت بارلي: «لا أفهم هذا الجدل الأبدي المتعلق باحتمال التنافس بين حلف (الناتو) والدول الأوروبية»، وأضافت: «نحن كدول أوروبية لنا صوتنا، ولدينا الكثير من المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يعني أنه ليست لدينا قضايانا الخاصة بنا التي يجب الدفاع عنها».

وكمثال على ذلك أشارت بارلي إلى الصين، وعلى الرغم من التشدد الأخير في المواقف، إلا أن الدول الأوروبية ليس بالضرورة يجب أن تشارك واشنطن في قلقها من الصين، وقالت: «إذا كانت الولايات المتحدة والصين في حالة مواجهة، فهل من الضروري أن نكون نحن الأوروبيين في هذه المواجهة؟»

وأدت السرعة التي اتخذت بها إدارة الرئيس، جو بايدن، قرار سحب قواتها من أفغانستان، من دون مشاورة حلف «الناتو» الذي يشارك في القوات الدولية، إلى إزعاج العديد من الدول الأوروبية، ويذكرنا هذا الموقف بأنه على الرغم من أن لهجة الولايات المتحدة قد تغيرت، إلا أن نظرتها إلى المصالح الوطنية ستظل هي الأساس الذي تستند إليه من أجل اتخاذ قراراتها، وعلى الرغم من أن بارلي قالت إن تعزيز قوة الدفاع الأوروبي لاتزال «تتطور بوتيرة بطيئة للغاية» إلا أنه ثمة «تقدماً مذهلاً».

وتعمل فرنسا على بناء ائتلاف من الدول الأوروبية الراغبة في الاشتراك بمبادرة للتدخل السريع (آي 12)، التي أطلقت عام 2018، ونشر قوات العمليات الخاصة من قبل عدد من الدول الأوروبية، بمنطقة «الساحل» في إفريقيا ضمن قوات «تابوكا» الدولية. وقالت بارلي: «يوجد بعض الدول القادرة والمستعدة والتي يجب عدم استبعادها»، ومن بين هذه الدول السويد، وإستونيا، وجمهورية التشيك التي نشرت قوات مقاتلة ضمن قوات «تابوكا»، وتقول بارلي إن الزيارات إلى القارة الإفريقية مع زملائها الأوروبيين تظهر للأفارقة التزامنا الأمني بالمنطقة.

وقالت بارلي: «الأمر الذي وجدته رائعاً عندما كنت أغادر مدينة غاو في مالي، قال لي نظيري التشيكي: نحن الأوروبيين لدينا قضيتان أمنيتان، الشرق والجنوب، والنهج الصحيح ليس القول نحن التشيكيون، لأننا قريبون من الشرق علينا الاهتمام بالشرق، وأنتم الفرنسيون قريبون من الجنوب عليكم الاهتمام بالجنوب، والأصح أن نقوم بذلك معاً»، وأضافت بارلي: «ما قاله الوزير التشيكي يظهر ثقافة استراتيجية مشتركة على نحو رائع، وهو عمل في حالة تطور ولكنه يصل إلى حالة المفهوم».

لكن خبراء الدفاع يحذرون من أن إنشاء ثقافة استراتيجية أوروبية سيستغرق وقتا طويلاً، وقالت رئيسة قسم الأبحاث في المعهد الألماني الفكري للشؤون الدولية والأمنية، كلوديا ماجور: «الثقافة الاستراتيجية الأوروبية ليست ثقافة استراتيجية فرنسية، إذ إنه ليس من المعقول إنشاء ثقافة استراتيجية خلال ثلاث سنوات ضمن ثماني دول»، وإضافة إلى انعدام الجاهزية العملياتية، فإن محاولات بناء قدرة دفاع أوروبية في مناطق أخرى ثبت أنها قضية صعبة.

ريم ممتاز ■ مراسلة «بوليتكو» في فرنسا وأوروبا

أكبر شراكة

تعد الشراكة الفرنسية - الألمانية - الإسبانية، أكبر المشروعات المشتركة المقترحة الآن في أوروبا، لإنشاء برنامج الجيل المقبل من الطائرات المقاتلة المعروفة باسم «إف سي آي إس»، بتكاليف تقدر بـ100 مليار يورو. ويواجه المشروع صعوبات في التمويل، إضافة إلى مشكلات في قضايا الملكية الفكرية والعمل المشترك، كما أن المشروع لايزال ينتظر الموافقة من البرلمان الألماني. وقالت بارلي إنها مسؤولية الحكومة الألمانية أن يرى هذا المشروع النور، وأضافت: «الكرة الآن في ملعب الألمان، وكلي ثقة بنظيرتي الألمانية، أنيغريت كرامب كارنباور، كما أني أثق تماماً بالمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، لقيادة هذه العملية خلال البرلمان حتى النهاية».

تعمل فرنسا على بناء ائتلاف من الدول الأوروبية الراغبة في الاشتراك في مبادرة للتدخل السريع (آي 12)، التي أطلقت عام 2018، ونشر قوات العمليات الخاصة من قبل عدد من الدول الأوروبية، بمنطقة «الساحل» في إفريقيا ضمن قوات «تابوكا» الدولية.

طباعة