المظالم التي أشعلت العنف لاتزال قائمة

تحقيق السلام لايزال بعيداً رغم وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»

صورة

استقر هدوء هشّ في غزة، يوم الجمعة، لينهي وقف إطلاق النار 11 يوماً من العنف، وقد توقف إطلاق الصواريخ والغارات الجوية، في الوقت الحالي، لكن ليس المظالم التي أشعلت انتفاضة الفلسطينيين من رام الله إلى القدس، مروراً بحيفا، ووصولاً إلى بيروت وعمان، إن وقف إطلاق النار لن يجعل الفلسطينيين والإسرائيليين أقرب إلى المصالحة، فهم بعيدون عن ذلك، وعلى الرغم من أن الكثيرين هتفوا بنهاية الأعمال العدائية، فقد اقتحمت قوات الأمن الإسرائيلية المسجد الأقصى في القدس، واشتبكت مع الفلسطينيين، وهو الإجراء نفسه الذي دفع حركة «حماس» إلى قصف إسرائيل بالصواريخ، قبل 11 يوماً.

أصل المشكلة لايزال قائماً، ولايزال إخلاء العديد من العائلات الفلسطينية بحي الشيخ جراح في القدس الشرقية، الخطوة الإسرائيلية التي أشعلت الاضطرابات الأصلية، إجراءً قائماً؛ إذ تم تأجيل قرار المحكمة حتى الشهر المقبل فقط، وقبل ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بين إسرائيل و«حماس»، سار آلاف الأشخاص بشوارع أم الفحم داخل إسرائيل، لحضور جنازة محمد كيوان، البالغ من العمر 17 عاماً، الذي توفي بعد إصابته برصاصة في رأسه أثناء جلوسه في سيارة مع أصدقائه خلال احتجاج الأسبوع الماضي، على أيدي الشرطة الإسرائيلية السرية، حسبما تناقله السكان المحليون.

ورفع آلاف المعزين الأعلام الفلسطينية، وقبل الجنازة انتشرت قوات الأمن الإسرائيلية حول أم الفحم، ما جعل المدينة، غير البعيدة عن حيفا، تبدو أشبه بمنطقة محتلة في الضفة الغربية، وبالنسبة إلى ما يقرب من مليونَي مواطن عربي في إسرائيل، مثل مواطني أم الفحم، تظل مظالم المواطَنة من الدرجة الثانية قائمة، وهي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وفي الأيام الـ11 الماضية، شهدت المدن الإسرائيلية المختلطة اشتباكات غير مسبوقة بين الإسرائيليين اليهود والفلسطينيين، بما في ذلك أعمال الشغب، وحرق المحال، ومقتل كيوان وفلسطينيين آخرين وإسرائيليين يهود.

جهود فاشلة

وقال الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، نمر سلطاني، «القضايا نفسها التي أدت إلى الاحتجاجات والاشتباكات في القدس الشرقية، وداخل إسرائيل وغزة، ستستمر في التفاقم»، متابعاً: «جولة مقبلة (من العنف) ستكون مسألة وقت، لأنك لا تتوقع أن يظل المظلوم صامتاً»، وقال إن المطلوب الآن هو الضغط الدولي لحمل إسرائيل على الامتثال للقوانين الدولية ومنح الفلسطينيين المساواة.

لكنّ فلسطينيين آخرين تخلوا عن عقود من الجهود الفاشلة والمؤسسات الدولية التي تقف وراءها، وقال اللاجئ الفلسطيني، محيي شحادة (30 عاماً)، في تظاهرة بالعاصمة اللبنانية: «عندما كنت طفلاً كنت أؤمن بالمجتمع الدولي»، متابعاً: «لقد يئست من هذه المنظمات الدولية والأمم المتحدة؛ ولمدة 73 عاماً لم يعطونا شيئاً»، ويأسه وخيبة أمله ليسا جديدين، لكن يتم التعبير عنهما بصوت أعلى وأقوى، من قبل الشباب في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي شوارع المدن المختلطة داخل إسرائيل، وفي الضفة الغربية، حيث تم انتخاب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، في الأصل عام 2005 لمدة أربع سنوات، ولايزال في منصبه، وقد ألغى الانتخابات المقرر إجراؤها هذا العام، ظاهرياً بسبب رفض إسرائيل السماح بالاقتراع في القدس الشرقية، وهذا يعني أن الفلسطينيين في العشرينات من عمرهم لم تتح لهم أبداً فرصة التصويت لاختيار قيادتهم. وكان شحادة طفلاً صغيراً، في عام 1993، عندما وقّع الزعيم الفلسطيني آنذاك، ياسر عرفات، على اتفاقات أوسلو، ما أدى إلى الوعد الوهمي بالسلام والدولة الفلسطينية، وقال شحادة: «لم تعطنا أوسلو شيئاً كفلسطينيين»، متابعاً: «30 عاماً من مفاوضات السلام وأين نحن الآن؟ لقد تسببت في مقتل أكثر من 250 شخصاً في غزة، الأسبوع الماضي».

عند تأسيس إسرائيل، حذّر أول رئيس وزراء للبلاد، ديفيد بن غوريون، من اللاجئين الفلسطينيين، وقال: «يجب أن نبذل قصارى جهدنا لضمان عدم عودتهم أبداً»، متابعاً: «سيموت الكبار وينسى الصغار»، لقد كان مخطئاً بشأن الشباب، وفي كل يوم تقريباً منذ بدء النزاع، تجمعت حشود من الشباب الفلسطينيين على حدود إسرائيل مع لبنان، حتى إن البعض تسلق جداراً حدودياً، يبلغ ارتفاعه 30 قدماً، رافعين العلم الفلسطيني، واستفزوا الجنود الإسرائيليين على الجانب الآخر بهتافات «أطلق النار، أطلق النار»، ويقول هؤلاء إنهم يريدون العودة إلى «بلدهم».

حلم العودة

إنها ليست المرة الأولى، ففي عام 2011 بذكرى النكبة، التي تحيي ذكرى طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين مع قيام إسرائيل، اقتحم آلاف الفلسطينيين حدود إسرائيل من لبنان وسورية، حتى إن بعضهم تمكن من العبور، وحسن حجازي لاجئ فلسطيني شاب في سورية، قطع مسافة 100 ميل إلى جنوب يافا، حيث منزل جده.

وخلال الاحتجاجات الحدودية، الأسبوع الماضي، قال علي صالح، وهو لاجئ فلسطيني في الأربعينات من عمره: «تخيل أن أرضي هناك، ولا يمكنني الذهاب إليها».

ومن أعلى التل القريب، يمكنه رؤية الأشجار التي تغطي الآن قرية «الخالصة»، التي سكنها أجداده، على بعد 1.5 ميل فقط في الجانب الآخر من الجدار الحدودي.

وبعد أكثر من سبعة عقود على طردهم، لايزال اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يعيشون من دون جنسية، ومعظمهم في مخيمات مزدحمة مع فرص عمل قليلة، وقال صالح إن خطته كانت عبور الحدود، لكن الجيش اللبناني أوقفه، وقالت سماح سلامة، وهي ناشطة فلسطينية، في إسرائيل: «ربما يموت كبار السن، لكن الشباب يتذكرون ويريدون إصلاح ذلك».

وكان الاختلاف الأبرز في التصعيد الأخير هو العنف داخل المناطق المختلطة في إسرائيل، حتى في مدن مثل حيفا، التي غالباً ما يتم اعتبارها مثالاً على التعايش اليهودي - العربي.

ونحو خُمس مواطني إسرائيل هم فلسطينيون بقوا داخل حدود إسرائيل الجديدة عام 1948. ومع إعلان وقف إطلاق النار مع غزة، تكهن السياسيون الإسرائيليون بأن العنف في المدن الإسرائيلية المختلطة كان تهديداً كبيراً مثل صواريخ غزة، وألقى مفوض الشرطة الإسرائيلية باللوم في الانفجار المفاجئ للعنف، على الجماعات اليهودية اليمينية التي تم نقلها في حافلات إلى مناطق مختلطة لإشعال التوتر.

نتنياهو هو المسؤول

ويتهم سياسيون إسرائيليون كبار، بمن فيهم من داخل حزب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «الليكود»، بإثارة هذا التصعيد لإنقاذ مستقبله السياسي، ووصف أحد كتاب الرأي الإسرائيليين ما جرى بأنه انتصار لـ«حماس»: «لقد نجحت في تحويل ساحة المعركة من المناطق الواقعة في نطاق صواريخها إلى الدولة بأكملها، مع أعمال شغب هزت جميع أنحاء إسرائيل».

وقالت سلامة إن الفلسطينيين واجهوا دائماً تمييزاً، وجنسية من الدرجة الثانية، في دولة تعرّف نفسها بأنها يهودية، وفي عام 2018 أقرت إسرائيل قانون الدولة القومية، ما أدى إلى مزيد من التقليل من مكانة الفلسطينيين في البلاد.

وأضافت سلامة أنه لم تكن هناك ثقة قبل هذا الأسبوع، لكن كان هناك عقد من نوع ما، «أنت بأمان.. أنا آمن»، وقالت إن جيل أطفالها، في العشرينيات من العمر، يريدون أكثر من ذلك، ويقولون: «نريد العدالة.. لا نريد شيئاً آخر».

وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، كان يُنظر إلى اندلاع العنف والإحباط على أنه انتصار للوحدة، وليس لمقاتلي غزة، ومع تصاعد الصراع، الأسبوع الماضي، تم توزيع بيان على الإنترنت لـ«انتفاضة الوحدة»، يدعو إلى انتفاضة موحدة للفلسطينيين من غزة والضفة الغربية والقدس وداخل إسرائيل وملايين الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين، ومجتمعات الشتات، على مستوى العالم.

• بالنسبة إلى ما يقرب من مليونَي مواطن عربي في إسرائيل، مثل مواطني أم الفحم، تظل مظالم المواطَنة من الدرجة الثانية قائمة، وهي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

• لايزال إخلاء العديد من العائلات الفلسطينية بحي الشيخ جراح في القدس الشرقية، الخطوة الإسرائيلية التي أشعلت الاضطرابات الأصلية، إجراءً قائماً؛ إذ تم تأجيل قرار المحكمة حتى الشهر المقبل فقط.

ريبيكا كولارد - كاتبة وصحافية تغطي شؤون الشرق الأوسط

طباعة