بدلاً من ترويج خطة سلام جديدة

واشنطن مطالبة بوضع كل طاقتها لإنجاح «عملية السلام القائمة» في أفغانستان

صورة

إذا كان هناك درس واحد يجب على الولايات المتحدة أن تتعلمه بعد عقدين من وجودها في أفغانستان، فهو أنه ليست هناك حلول سريعة. وثبتت صحة ذلك بالنسبة للحرب، وكذلك لاحتمال التوصل إلى السلام من خلال المفاوضات. لكن بالنظر إلى أن واشنطن تواجه قرار ما إذا كان يتعين عليها الامتثال في الموعد النهائي لسحب جميع قواتها في الأول من مايو المقبل، بموجب الاتفاق الذي وقعته الحكومة الأميركية مع «طالبان» في فبراير 2020، فإنها تبحث الآن عن طريق مختصر من أجل التوصل إلى التسوية السياسية في أفغانستان. لكن لا يوجد مثل هذه الطريق.

وقدم المبعوث الأميركي، زلماي خليل زاده، مسودة الاتفاق إلى حركة «طالبان» والحكومة الأفغانية. وتكمن الفكرة الأساسية بهذا الاتفاق في استبدال الحكومة الأفغانية المنتخبة بأخرى انتقالية، ستتضمن شخصيات من «طالبان»، وبعد ذلك يتم التفاوض بين أعضائها على نظام حكومي مستقبلي دائم. وتشمل القضايا الحاسمة، التي سيتفاوض عليها الطرفان، التقاسم الدقيق للسلطة، إضافة إلى من سيسيطر على المؤسسات الأمنية.

تسريع المفاوضات

وفي الوقت ذاته، أرسل وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، رسالة إلى الرئيس الأفغاني أشرف غني، تسربت فحواها، واتضح أنها تحث على «تسريع مفاوضات السلام» والتحرك «سريعاً نحو التسوية». تقول الرسالة إن الولايات المتحدة طلبت من تركيا استضافة لقاء على مستوى عالٍ بين الحكومة والمعارضة الأفغانية «خلال الأسابيع المقبلة، لوضع الرتوش النهائية على اتفاق السلام». وتشير الرسالة إلى أن الولايات المتحدة تقترح 90 يوماً، يتم خلالها تخفيف أعمال العنف، «وهو مفهوم يعتبر أقل بقليل من التوصل إلى وقف إطلاق النار»، خلال عمل الدبلوماسية، الأمر الذي يوحي بأن واشنطن تدرك أنه من غير المرجح التوصل إلى اتفاق خلال أسابيع عدة.

وتبدو فرص اتفاق قادة «طالبان»، وغني على مسودة اتفاق السلام الأميركي ضئيلة للغاية. وبالنسبة لـ«طالبان»، فإن مسودة اتفاق السلام الأميركي تنطوي على العديد من السمات التي تميز الحكومة الحالية، وهي تتضمن التزاماً بعقد الانتخابات والحفاظ على الدستور الذي تمت كتابته برعاية أميركية عام 2004، إلى حين كتابة دستور جديد. وتشير الأدلة المتوافرة عن طريقة تفكير «طالبان» إلى أنهم يرفضون كل ترتيبات تظهر أنهم شاركوا في نظام كانوا يعارضونه منذ أمد بعيد، فقط من أجل الحصول على جزء بسيط من السلطة.

زوبعة

أما بالنسبة لغني، فإن الاقتراح الأميركي يستند إلى تخليه عن السلطة، وأثارت هذه الحقيقة الصعبة، إضافة إلى رسالة بلينكن الفجة، زوبعة سياسية في كابول. وكان رد فعل نائب رئيس الجمهورية الأفغانية، أمر الله صالح، هو الأكثر صراحة، حيث قال إن أفغانستان «لن تقبل سلاماً يفرض عليها فرضاً»، ويعرف غني أن أكثر الأفغان المتحمسين لفكرة الحكومة الانتقالية هم المعارضة السياسية، والمجاهدون السابقون في الدولة، الذين يشعرون بأنها فرصة للوصول إلى السلطة التي سيتم توزيعها على الجميع.

وفي حالة تحقق خطة السلام الأميركية، وهو أمر مستبعد، سيكون مآل ترتيبات تقاسم السلطة التي تتحدث عنها الخطة، هو الانهيار. لأن أي حكومة تتألف من فصائل عدة، إضافة إلى «طالبان» ستكون أقل فاعلية واستقراراً من الحكومة الهشة الموجودة حالياً. وإذا انهارت الحكومة المتعددة الفصائل والجماعات، فستتبخر وعود خطة السلام الأميركية معها.

وتعكس الاقتراحات الأميركية مدى غضب واشنطن وإحباطها من غني. ويقول منتقدو الرئيس الأفغاني بأنه يعمل على إعاقة عملية السلام التي تنزع السلطة من حكومته. وتميزت الانتخابات الماضية الأفغانية بالمنافسة المريرة، في حين أن سياسة الدولة تعاني الفساد حتى النخاع، كما أن تقديم الخدمات مقتصر على المراكز السكانية فقط، في حين أن متمردي «طالبان» يعملون بحرية في جميع أنحاء المناطق الريفية.

ولكن مهما أسهم غني في إبطاء عملية السلام، فإن تفكيك الحكومة المنتخبة من غير المرجح أن يؤدي إلى تسريع عملية السلام. ولم تتحرك «طالبان» بصورة أسرع أيضاً، إذ استغرق الأمر أكثر من عام من أجل مفاوضات متعددة، والعديد من التنازلات التي قدمتها الولايات المتحدة، كي توقع «طالبان» على اتفاقية من أربع صفحات تتحدث عن جدول زمني ثابت لانسحاب القوات الأميركية، إضافة إلى حلف شمال الأطلسي، ووعود غامضة من «طالبان» لمنع استخدام أفغانستان كمنصة انطلاق للإرهابيين. وتتناقض بيانات «طالبان» الرسمية، التي تقول فيها إن الحركة ستقبل بعض المشاركة في السلطة، مع المراسلات الداخلية لـ«طالبان»، والتي تركز على النصر والهيمنة.

واشنطن مسؤولة

وبعد التأجيل الذي تتحمل مسؤوليته الولايات المتحدة، بدأت المفاوضات الأفغانية في الدوحة بقطر. وتم إحراز تقدم حذر، لأن جميع الأطراف كانت تنتظر حكومة أميركية جديدة، تشير إلى أنها ملتزمة بعملية السلام التي بدأت خلال الحكومة السابقة.

واصطدمت وتيرة المفاوضات البطيئة بالموعد النهائي لانسحاب جميع القوات الأجنبية من أفغانستان. وهذه مشكلة بالنسبة للاتفاقية بين الولايات المتحدة و«طالبان»، والتي نجمت عن فصل الجدول الزمني للانسحاب عن أي متطلبات لتطوير المفاوضات. لكنها في الوقت ذاته مشكلة لا يمكن حلها عن طريق تسريع الشق الصعب من المفاوضات، والمتمثل في التسوية السياسية.

ومن الصعب جداً التوصل إلى نتائج من خلال عملية السلام في الدوحة، لكن من السابق لأوانه التخلي عن عملية سلام استغرقت سنوات عدة حتى بدأت. وبدلاً من ترويج خطة سلام جديدة ليس لها أي فرصة في النجاح أو القبول من أطراف النزاع، كما أنها يمكن أن تزيد في ضعف الحكومة الأفغانية، يجب على حكومة واشنطن أن تضع كل طاقتها من أجل اختبار إمكانية إنجاح عملية السلام القائمة. ويتضمن ذلك حشد القوى الإقليمية، خصوصاً باكستان وإيران والصين والهند، التي تمتلك علاقات مع اللاعبين في الصراع الأفغاني، من أجل توليد الزخم المناسب لعملية السلام الحالية. وبالفعل إن اجتماع مسؤولين على مستوى عالٍ من هذه الدول يعتبر فكرة جيدة، لكن هؤلاء يحتاجون إلى خطة سلام أفضل كي يتجمعوا حولها، من تلك العملية الجديدة التي قدمتها الولايات المتحدة.

فرصة نجاح

وإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تمنح مفاوضات السلام فرصة نجاح حقيقية، فعليها أن تحتفظ بالجنود في أفغانستان إلى فترة ما بعد الأول من مايو، للحفاظ على نفوذها من أجل ضمان تطبيق التسوية التي سيتم التوصل إليها. وستوفر مفاوضات السلام الجارية أفضل حجة، يمكن أن تقدمها واشنطن للقوى الإقليمية، خصوصاً باكستان كي تضغط على «طالبان»، للتساهل بموضوع الموعد النهائي للانسحاب.

لكن إذا انهارت المفاوضات وهو الأمر المرجح، عند ذلك فإن وجود حكومة أفغانية ضعيفة وغير فعالة، أفضل من حكومة انتقالية يمكن ألا تستمر حتى نهاية المفاوضات. وإذا كانت إدارة بايدن تخطط لسحب قواتها، فمن الأفضل عدم المخاطرة بترك وضع متفجر خلفها.

• مهما أسهم غني في إبطاء عملية السلام، فإن تفكيك الحكومة المنتخبة من غير المرجح أن يؤدي إلى تسريع عملية السلام.

لوريل ميللر - مدير برنامج آسيا في مجموعة الأزمات الدولية

آندرو واتكنز - كبير المحللين حول أفغانستان في مجموعة الأزمات الدولية

طباعة