تحاول وضع حدود مسبقة لموقفها رافضةً التفاوض حول برنامجها الصاروخي

طهران لا تتعجل عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي

صورة

وجّه المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية لانتفاضة مدينة قم ضد نظام الشاه عام 1978، في 8 يناير الجاري، رسائل عدة للقوى الغربية، قبل وصول الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن إلى البيت الأبيض في 20 من الشهر نفسه. وفي الواقع، فإن هذه الرسائل ستمثل محددات حاكمة للسياسة الإيرانية خلال المرحلة المقبلة، التي ستشهد استحقاقات سياسية وأمنية لا تبدو هينة، أهمها إجراء الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 18 يونيو المقبل.

تناقض واضح

اللافت في خطاب خامنئي أنه عكس التناقض الذي تبدو عليه السياسة الإيرانية في الفترة الحالية، ففيما أشار إلى أن الوجود الإقليمي الإيراني يدعم الأمن والاستقرار في المنطقة، فإنه في الوقت نفسه أكد التزام إيران بدعم حلفائها. ويعني ذلك في المقام الأول أن طهران تعتبر أن نفوذها في دول الأزمات وعلاقاتها مع العديد من الفاعلين من غير الدول، لاسيما الميليشيات المسلحة، يساعد على دعم استقرار تلك الدول ويسهم في تقليص نشاط التنظيمات الإرهابية. ومن دون شك، فإن ذلك لا يتوافق مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تشير بوضوح إلى أن الدور الإقليمي الإيراني كان سبباً رئيساً في تفاقم الأزمات المختلفة، وعرقلة الجهود التي بذلت للوصول إلى تسويات سياسية لها.

إلى جانب ذلك، حرص خامنئي على توجيه تعليمات برفض شراء اللقاحات التي أعلنت عنها شركات غربية لمكافحة فيروس «كوفيد-19»، حيث تبنّى في هذا السياق نظرية «المؤامرة»، مشيراً إلى أنه لو ثبتت فاعلية هذه اللقاحات، لما كانت أعداد الإصابات والوفيات قد ارتفعت بشكل كبير في الولايات المتحدة الأميركية، ومستنداً في السياق ذاته إلى قضية «الدم الملوث بفيروس نقص المناعة البشرية» التي تصاعدت على الساحة الداخلية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، بعد أن تسببت في وفاة عدد من الإيرانيين، وثبت في ما بعد أن مصدره فرنسا.

وهنا، فإن التناقض يبدو أوضح ما يكون، حيث إن رفض شراء تلك المنتجات جاء بعد فترة وجيزة من محاولات «تسييس اللقاحات»، عبر الترويج لمزاعم حول عدم قدرة إيران على شرائها بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليها، وهو ما ثبت أنه يفتقد الى الصدقية، لاسيما بعد أن أشارت تقارير عدة إلى أن إيران ستحصل على 150 ألف جرعة من لقاح «فايزر» الأميركي قدمت لها في شكل تبرعات.

خطوات متوازية

يمكن تفسير حرص خامنئي على تأكيد أن إيران ليست متعجلة في عودة الولايات المتحدة الأميركية الى الاتفاق النووي، في ضوء محاولاته تعزيز موقفها التفاوضي، والترويج إلى أنها في موقع لن يدفعها إلى تقديم تنازلات بناءً على الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية، بل والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وبعبارة أخرى، فإن تصريحات خامنئي تأتي رداً على محاولات تلك الأطراف توسيع نطاق أية مفاوضات محتملة في المستقبل لتشمل الملفات الخلافية الأخرى التي لم يتضمنها الاتفاق النووي، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي، فقد كان لافتاً، على سبيل المثال، أن جايك سوليفان مستشار الرئيس بايدن كان حريصاً، في 3 يناير الجاري، على تأكيد أن برنامج الصواريخ الباليستية سيكون مطروحاً على الطاولة إذا عادت الولايات المتحدة الأميركية إلى الاتفاق النووي.

وهنا، بدا متعمداً أن تلك التصريحات توازت مع إعلان الحرس الثوري عن قاعدة صواريخ جديدة في الخليج، حيث قام قائد «الباسدران»، حسين سلامي، في اليوم نفسه الذي ألقى فيه خامنئي خطابه، بزيارة تلك القاعدة، مؤكداً أنها «واحدة من منشآت عدة تحفظ الصواريخ الاستراتيجية لحرس الثورة»، مشيراً إلى أن «فيها أعمدة من الصواريخ وأنظمة إطلاق تمتد إلى كيلومترات عدة، وأن هذه الصواريخ يصل مداها لمئات الكيلومترات وتتميز بدقة التصويب، وبقوة تدميرية عالية جداً، كما أنها قادرة على المرور عبر معدات الحرب الإلكترونية للعدو».

اللافت في هذا السياق أيضاً، أن تلك الخطوات تزامنت مع حلول الذكرى الأولى لإسقاط الدفاعات الأرضية الإيرانية الطائرة المدنية الأوكرانية، بعد ساعات قليلة من الهجمات الصاروخية التي شنتها إيران على قاعدتين عراقيتين توجد بهما قوات أميركية رداً على مقتل قائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، برفقة أبومهدي المهندس، نائب أمين عام ميليشيا الحشد الشعبي العراقية. وقد تسببت حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية في تصاعد حدة التوتر بين إيران والدول المعنية بها، وهي كندا والسويد وأوكرانيا وأفغانستان، التي أصدر وزراء خارجيتها بياناً مشتركاً، في 8 يناير الجاري، حثوا فيه إيران على تقديم تفسير كامل لإسقاط الطائرة، وأضافوا: «بلادنا ستعد إيران مسؤولة عن تحقيق العدالة، والتأكد من أن تقدم تعويضات كاملة لأسر الضحايا والدول التي تأثرت من الحادث».

ومن دون شك، فإن الرسالة واضحة، وهي أن إيران لن تتراجع عن موقفها من الاستمرار في تطوير برنامجها الصاروخي، حتى مع تصاعد حدة الضغوط التي تتعرض لها في الوقت الحالي من جانب الدول الغربية. ويعود ذلك في المقام الأول إلى أن إيران تعتبر أن البرنامج الصاروخي هو مصدر القوة الأساسي الذي تمتلكه، وتستطيع من خلاله تقليص احتمالات التعرض لهجمات عسكرية واسعة من جانب الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، باعتبار أن تلك الصواريخ قادرة على الوصول إلى إسرائيل والمصالح الأميركية في المنطقة. وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن إيران حريصة على الترويج إلى أنها لا تنتظر التفاهمات مع إدارة بايدن، ولا التغير المحتمل في السياسة الأميركية تجاهها، وهو ما يمكن أن يدفعها إلى مواصلة تحركاتها التصعيدية على المستويات المختلفة في المرحلة المقبلة. واللافت هنا، أن بعض الميليشيات الموالية لها باتت حريصة على تصدير الرسالة نفسها، على غرار «حزب الله»، الذي أكد أمينه العام، حسن نصرالله، في اليوم نفسه، على أنه لن «تظهر أية مؤشرات لتفاهمات إيرانية - أميركية قريباً، ولن يكون لها تداعيات مباشرة على المشهد السياسي في لبنان»، مشيراً إلى أن «بايدن وفريقه أولويتهم الداخل الأميركي»، وهي الرؤية نفسها التي تتبناها طهران في الوقت الحالي.


- إيران حريصة على الترويج إلى أنها لا تنتظر التفاهمات مع إدارة بايدن، ولا التغير المحتمل في السياسة الأميركية تجاهها، وهو ما يمكن أن يدفعها إلى مواصلة تحركاتها التصعيدية على المستويات المختلفة في المرحلة المقبلة.

- يمكن تفسير حرص خامنئي على تأكيد أن إيران ليست متعجلة في عودة الولايات المتحدة الأميركية إلى الاتفاق النووي، في ضوء محاولاته تعزيز موقفها التفاوضي، والترويج إلى أنها في موقع لن يدفعها إلى تقديم تنازلات بناءً على الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية والدول الأوروبية، بل والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

طباعة