3 كلمات و70 حالة.. التاريخ المأساوي لعبارة "لا أستطيع التنفس"

"لا أستطيع التنفس".. كلمات مختصرة نطقها جورج فلويد قبل وفاته فأشعل بها احتجاجاً وطنياً على خلفية مقتله، فالأميركي الأسود، من مينسوتا الأميركية قضى على يد شرطي، قام بالضغط على رقبته بركبته لمدة تسع دقائق، متجاهلاً مناشدة الأخير بعدم قدرته على التنفس، ما أدى إلى وفاته، وهو ما أثار غضباً شعبياً على الضريبة القاتلة التي تفرضها السلطات على الأميركيين من أصل إفريقي، وقد وحدت كلمات فلويد شعور الغضب في معظم أرجاء البلاد، حيث رفض ضابط الشرطة أن يلتفت إلى نداء فلويد المتكرر لشيء أساسي مثل الهواء.

إلا أن فلويد ليس الوحيد الذي أدى استخدام الشرطة لسلطاتها بطريقة خاطئة إلى وفاته، فعبارة لا أستطيع أن أتنفس في ظروف مشابهة من الاعتقال، تسببت في وفاة كثيرين آخرين لم نسمع بهم.

إقرأ أيضاً: طائر «تويتر» الأسود و«ستوري إنستغرام».. ثورة تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي

حيث قال إريك غارنر، وهو رجل أسود آخر، الكلمات الثلاث نفسها في عام 2014، بعد أن احتجزه ضابط شرطة لبيع سجائر دون ضريبة على رصيف في نيويورك، ورغم مناشدات غارنر، قرر الشرطي تجاهل ندائه ما أدى إلى وفاته.

وفي حين أن قضيتي غارنر وفلويد صدمتا أميركا، فإن عشرات الحوادث الأخرى المشابهة مرت دون أن تكون معروفة أو يسمع بها أحد، فعلى مدى العقد الماضي، رصدت صحيفة نيويورك تايمز 70 حالة على الأقل لأشخاص لقوا حتفهم بحجة تطبيق القانون بعد قول الكلمات نفسها "لا أستطيع التنفس"، وراوحت أعمار الضحايا بين 19 و65 سنة، وقد تم إيقاف معظمهم أو احتجازهم بسبب مخالفات غير عنيفة، ومكالمات وردت للطوارئ حول سلوك مشبوه، أو مخاوف بشأن صحتهم العقلية، وكان أكثر من نصفهم من السود.

وتظهر عشرات مقاطع الفيديو ووثائق المحاكم وتشريح الجثث وتقارير الشرطة التي تم استعراضها في هذه القضايا، والتي تضم مجموعة من الأشخاص الذين لقوا حتفهم في مواجهات مع ضباط في الشارع أو في السجون أو في منازلهم، نمطاً من السلوك العدواني الذي تجاهل احتياطات السلامة السائدة.

ففي الحالات التي أدى فيها الاختناق نتيجة الاعتقال إلى الوفاة، قام الضباط بتقييد المعتقلين عن طريق الرقبة، أو قاموا بربطهم منها، أو قاموا بتغطية رؤوسهم بأغطية شبكية مصممة لمنع البصق أو العض، وفي أغلب الأحيان، قام الضباط بدفعهم للأرض وتطبيق وزن أجسامهم على منطقة الرقبة لتثبيتهم.

ونتجت الوفاة في بعض الحالات بسبب نداءات لعدم القدرة على التنفس بسبب مشكلة طبية أو حالات تسمم بالمخدرات تم تجاهلها، والتمس بعضهم الحصول على المساعدة قبل وفاتهم.

بايرون ويليامز.. رددها 17 مرة قبل وفاته

رصد ضابط شرطة في لاس فيغاس، بايرون ويليامز، الذي كان يقود دراجته دون وجود ضوء على الدراجة، ما استدعى إيقافه، إلا أن رفضه الامتثال لأوامرهم كلفه حياته، حيث استخدم الضباط أيديهم وركبتهم لتثبيته، على الرغم من تكرار ويليامز عبارة "لا أستطيع التنفس" 17 مرة قبل أن يفقد الوعي لاحقاً ويموت.

ومن بين الذين لقوا حتفهم بعد نطقهم بعبارة "لا أستطيع التنفس"، مهندس كيميائي في ولاية ميسيسيبي، ووكيل عقارات سابق في كاليفورنيا، وبائع لحوم من فلوريدا، وممرض وطبيب وكثيرون.

وفيما يقرب من نصف الحالات التي راجعتها "التايمز"، كان الأشخاص الذين لقوا حتفهم بعد تقييدهم، معرضين بالفعل لخطر التسمم بالمخدرات نتيجة جرعة زائدة وتم تجاهل الأمر، وكان البعض الآخر يعانون نوبة عقلية أو مشكلات طبية، مثل الالتهاب الرئوي أو قصور القلب.

إجراءات التقييد

وحظرت الإدارات في جميع أنحاء الولايات المتحدة بعض أخطر تقنيات التقييد، مثل الضرب، وقيدت استخدام تقنيات أخرى، بما في ذلك التقييد من الرقبة إلا في الظروف القصوى فقط، عندما يكون الضباط خائفين على حياتهم.

وتشير العديد من الحالات إلى اعتقاد واسع الانتشار في الدوائر في جميع أنحاء البلاد بأن الشخص المحتجز الذي يقول "لا أستطيع التنفس" يكذب أو يبالغ، أو تعلموا منذ أجيال أن الشخص الذي يمكنه التحدث يمكنه أن يتنفس أيضاً.

وحذر المسؤولون الفيدراليون منذ فترة طويلة من العوامل التي يمكن أن تسبب الاختناق أثناء الاحتجاز، وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، طالب قانون اتحادي وكالات الشرطة المحلية بإبلاغ وزارة العدل عن جميع حالات الوفاة أثناء الاحتجاز.

لكن المفتش العام للوكالة وجد في تقرير عام 2018، أن وزارة العدل، كانت بطيئة في تطبيق القانون، وحددت عمليات التشريح الروابط بين تصرفات الضباط ووفيات المعتقلين الذين ناضلوا من أجل الهواء، حتى عندما كانت هناك مشكلات طبية أخرى مثل أمراض القلب وتعاطي المخدرات، لكن التحقيقات الحكومية وجدت في كثير من الأحيان أن المعتقلين كانوا يتصرفون بشكل عدواني، وبالتالي كانت أفعال الضباط مبررة، فيما واجه جزء صغير فقط من الضباط اتهامات جنائية، ولم تتم إدانة أي منهم تقريباً.

ولدرء الحوادث المشابهة، بات يطلب من الضباط القبض على المشتبهين واحتجازهم من بطونهم، كما قد يطلب منهم الجلوس أو الوقوف، كما بات يطلب منهم الاتصال للحصول على المساعدة الطبية إذا كان الشخص يعاني صعوبة طبية.

وأسهمت كاميرات الجسم الخاصة بالضباط ولقطات المراقبة في كشف التفاصيل الخفية للكثير من حالات الاعتقال التي أدت إلى الوفاة.

وحفزت مقاطع الفيديو من وفاة غارنر في عام 2014 تغييرات في سياسات التقييد من الرقبة في جميع أنحاء البلاد، لكن الأساليب الإشكالية لتقييد الأشخاص لم تختفِ، فمنذ ذلك الحين، مات أكثر من 40 شخصاً لعدم قدرتهم على التنفس أثناء الاعتقال ونطق عبارة "لا أستطيع التنفس".

"إذا كنت تستطيع التحدث يمكنك التنفس"

قد يكون أحد أسباب استمرار مثل هذه الحالات هو الاعتقاد المستمر من جانب ضباط الشرطة بأن المعتقل الذي يشكو من أنه لا يستطيع التنفس يتنفس بما يكفي ليكون قادراً على التحدث.

وقال رئيس الشرطة السابق في ميلووكي إدوارد فلين، في إفادة في عام 2014 أن هذه الفكرة كانت جزءاً من تدريب الضباط هناك، واستمرت على أنها "فهم مشترك" حتى لو كانت خاطئة.

وقد أخبرت إدارات أخرى ضباطها بالشيء نفسه، كما تظهر السجلات، وتظهر الفكرة في كثير من الأحيان كرد من الضباط على المعتقلين الذين يصارعون للحصول على الهواء الكافي للتنفس.

لكن الحقائق الطبية تؤكد أنه في حين أنه قد يكون صحيحاً تقنياً أن التحدث يعني مرور الهواء عبر القصبة الهوائية، إلا أن ذلك لا يعني أن الشخص القادر على تمتمة عبارات يستطيع التنفس بالشكل المطلوب لأخذ كمية كافية من الأوكسجين للحفاظ على الحياة.

طباعة