غياب المساواة يدفع الجنود إلى الانشقاق والفرار

    التمييز العرقي يُضعف آداء الجيوش في الحروب

    التنوع في الجيش مطلوب لكن مع مساواة كاملة. أرشيفية

    ما الذي يجعل الجيش ناجحاً في المعركة؟ تتبادر إلى الذهن بعض العوامل، منها: كثرة العدد، والحِنكة التكتيكية، وطبيعة المؤسسات السياسية في الداخل. والتقنيات الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار، والأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، قد تسهم، أيضاً، في قلب الموازين. ولكن أحد أهم العوامل المحددة للأداء في ساحة المعركة، يتم تجاهله باستمرار: المساواة بين الجنود، بغض النظر عن انتمائهم العرقي.

    إن الطريقة التي يتم التعامل بها مع المجموعات العرقية المكونة لها، يمكن أن تحدث إما نجاحاً مذهلاً أو هزيمة ساحقة، بمجرد بدء إطلاق النار. وكما قلت في كتابي الجديد، فإن قرنين من الحرب، يدلان على أن الجيوش التي تضم جماعات عرقية مختلفة وتعتبر جميع جنودها مواطنين كاملين في الدولة التي يخدمونها؛ تتمتع بنجاح أكبر بكثير من الجيوش التي تميز بين جنودها.

    وينتهي الأمر بالجيوش المنقسمة عرقياً إلى أن تكون محاصرة في مشكلة من تصميمها، ومع ازدهار الشعوبية وكراهية الأجانب، في جميع أنحاء العالم، فإن الجيوش التي تستسلم لهذه التيارات، ستجد نفسها عرضة للهزيمة من قبل جيوش ومجتمعات، حافظت على اندماج تم تحقيقه بصعوبة.

    مجهولة الهوية

    نميل إلى الكتابة عن الجيوش كآلات موحدة ومجهولة الهوية، لكن الواقع أكثر تعقيداً. ومنذ قرون، تميزت التنظيمات العسكرية بالتنوع، خصوصاً من حيث التركيب العرقي. ومنذ عام 1800، ضم الجيش النموذجي جنوداً من خمس مجموعات عرقية مختلفة، في صفوفه. وضم جيش نابليون عدداً أكبر من البولنديين والألمان والإيطاليين والهولنديين، مقارنة بالجنود الفرنسيين، خلال مسيرته الحاسمة، عام 1812، إلى موسكو. وفي الصين، دمجت جيوش تشينغ، في القرن التاسع عشر، سكان الهان والمغول والمانشو، واعتمدت على الكثير من الدعم المحلي. وقامت كلٌّ من فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة، بإنشاء جيوش استعمارية كان جنودها من الأقليات المحلية. وخلال الحرب العالمية الثانية، نشرت ألمانيا النازية، أكثر من مليوني شخص من غير الألمان، ينتمون إلى 20 عرقية مختلفة على الأقل، على الجبهة الشرقية. ولم يكن الجيش الأحمر الروسي أقل تنوعاً، إذ كانت الفرقة الـ45 تتألف من 28 مجموعة عرقية، عندما وصلت إلى ستالينغراد، في 1942.

    ويعتمد أداء هذه الجيوش في ساحة المعركة على ما إذا كان بإمكانها إدارة التنوع في صفوفها. وبما أن الجيوش تعكس الدول التي ترسلها، فإن الجواب يكمن في كيفية تعامل الدول المعنية مع المجموعات العرقية المكونة لها. ويقوم البعض ببناء هويات وطنية شاملة، تتيح وضعاً سياسياً متساوياً للجميع. غير أن آخرين يستغلون الانقسامات العرقية والتمييز كأدوات للحكم. وفي الحالات الأكثر تطرفاً، تفرض الدول تسلسلاً هرمياً صارماً للمواطنة والانتماء، مع تراجع السكان «الأجانب» إلى القاع.

    وعندما تدخل الدول في الحرب، تنتقل هذه التصنيفات إلى جيوشها، إذ تكون التفاوتات العرقية مُدمرة. ويكون الجنود الذين ينتمون إلى جماعات عرقية مهمشة أو مكبوتة، مترددين في القتال والموت من أجل نظام يُخضعهم تحت إرادته. وغالباً يتخذ القادة العسكريون، وهم يستشعرون هذه المخاطر، خطوات لفرض الانضباط. بل إن البعض يلجأ إلى العنف الجماعي ضد جنودهم لإجبارهم على الانصياع للأوامر.

    ومع ذلك، فإن مثل هذه التدابير تُلحق خسائر فادحة بالأداء في ساحة المعركة.

    كلفة عدم المساواة

    لقياس مدى غياب المساواة العسكرية - الباهظة الكلفة، قُمت بجمع بيانات عن نحو 300 جيش خاضت 250 حرباً تقليدية، منذ عام 1800؛ ثم بتقييم مدى جودة أداء هذه الجيوش في المعركة، وتتبع عدد الإصابات التي عانوها أو ألحقوها بخصومها، وتعرضها للانشقاق الجماعي أو الفرار من الجُندية، وما إذا كانت قد نشرت وحدات متخصصة تعرف باسم «منع الانفصال»، لإطلاق النار على الجنود المتراجعين.

    والنتائج ترسم صورة واضحة، فالدول التي تعامل جميع الجنود بالطريقة نفسها، بصرف النظر عن العِرق، عادة يكون أداؤها قوياً؛ في حين أن المتحاربين ضمن الجيوش المقسمة عرقياً أقل فاعلية بكثير. والجيوش التي ليست بها فرص متكافئة، لديها احتمال بنسبة 75%، لتكبد خسائر أكبر من تلك التي يتكبدها العدو، مقارنة بـ25% للمقاتلين المتساوين في الحقوق. والفرار الجماعي، وهو أمر نادر الحدوث في الجيوش المتنوعة والمتساوية في الحقوق؛ يكاد يكون أمراً شبه حتمي في جيوش لا يتمتع أفرادها بالمساواة. أما الانشقاق الجماعي فهو أكثر شيوعاً عندما لا تُعامِل الجيوش جميع جنودها على قدم المساواة.

    ومع ازدياد عدم المساواة بين الجنود، تعاني الجيوش صعوبة منع الفرار الجماعي.

    وعدم المساواة يؤثر حتى في أداء الوحدات، وخلال المعركة الوحشية للاستيلاء على موسكو، في أكتوبر 1941، طوقت القوات الألمانية الفرقتين 38 و108، التابعتين للاتحاد السوفييتي، وكانتا بالحجم نفسه تقريباً، ولهما أسلحة مماثلة؛ لكن الفرقة 108 تمكنت من خوض المعركة وفكت الحصار، رغم فقدانها ما يقرب من ثلاثة أرباع جنودها في هذه العملية، في حين تم تدمير الفرقة 38 تماماً.

    صياغة الخطط

    ومن السهل نسبياً تقييم عدم المساواة في المجتمعات، من خلال المصادر المفتوحة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكن أن توفر أدلة في الوقت الحقيقي، تقريباً. بينما يمكن للمخططين العسكريين استكمال بياناتهم التقليدية، مع وجود معلومات كافية، حول معدات العدو وبنيته التنظيمية، مع درجات اللامساواة العرقية، في الوحدات المختلفة.

    • حتى الديمقراطيات الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، ليست محصنة، فالقبلية، والشعبوية، والقومية البيضاء، التي تسيطر على هذه المجتمعات، قد تنقل في بعض الأحيان مجموعات معينة، إلى وضع من الدرجة الثانية، بما في ذلك بالجيش.

    • ينتهي الأمر بالجيوش المنقسمة عرقياً إلى أن تكون محاصرة في مشكلة من تصميمها، ومع ازدهار الشعوبية وكراهية الأجانب، في جميع أنحاء العالم، فإن الجيوش التي تستسلم لهذه التيارات، ستجد نفسها عرضة للهزيمة من قبل جيوش ومجتمعات، حافظت على اندماج تم تحقيقه بصعوبة.


    تهديد مستمر

    يمكن أن يُعزَى الفشل الصارخ لوحدات الجيش العراقي، في صد تنظيم «داعش»، عامي 2014 و2015، إلى مظالم الجنود بشأن تهميش السكان السُّنة، تحت قيادة رئيس الوزراء، حينها، نوري المالكي. وبالمثل، شهِد الجيش السوري، عشرات الآلاف من الانشقاقات وحالات الفرار. ولايزال الجيش الوطني الأفغاني يعاني فراراً متفشياً، بسبب الانتهاكات العرقية في صفوفه، مع غياب الثقة بصفوف الجنود، غير البشتون، في حكومة كابول.

    وستبقى هذه المزالق طالما أن العِرق هو أداة انقسام يمكن استغلالها بسهولة، لتحقيق مكاسب سياسية. وحتى الديمقراطيات الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، ليست محصنة، فالقبلية، والشعبوية، والقومية البيضاء، التي تسيطر على هذه المجتمعات، قد تنقل في بعض الأحيان مجموعات معينة، إلى وضع من الدرجة الثانية، بما في ذلك بالجيش. وفي مكان آخر، كانت هذه النتيجة أقرب إلى حد كبير، إذ يُعد قمع الصين للأقليات العرقية في إقليم شينغيانغ والتبت، وقانون الجنسية الهندي الجديد المعادي للمسلمين، مثالين على الجهود المحفوفة بالمخاطر لإعادة صياغة المواطنة، على أسس عرقية بحتة. وإذا استمرت هذه الحكومات في هذا النهج، فستؤثر جهودها عاجلاً أم آجلاً في جيوشها، أيضاً.



    الجيش الأفغاني شهد انشقاقات بسبب التنافر العرقي.  أرشيفية

    جازون ليايل - كاتب ومحلل سياسي

    طباعة