الوضع الراهن ليس مرتبطاً برئاسة ترامب

    الشرخ بين أميركا وأوروبا سيزداد في 2020

    صورة

    تسببت الضربة الأميركية للقائد العسكري الإيراني، قاسم سليماني، في خلاف آخر مع الحلفاء الأوروبيين، في وقت تشهد العلاقات بين ضفتي الأطلسي توتراً، ولا يتفق الجانبان حول قضايا عدة، بما في ذلك الملف الإيراني والتجارة مع الصين، مروراً بالتغير المناخي، وبالتالي فإن الغرب منقسم.

    ترامب هو المسؤول

    ويلقي الكثيرون في أوروبا باللوم على الرئيس، دونالد ترامب، في هذا الوضع.

    بالفعل فإن إدارة البيت الأبيض تتحمل بعض المسؤولية، لكن التوترات عبر المحيط الأطلسي أعمق بكثير من تداعيات سياسة الرئيس الأميركي الـ45. ومن دون اتخاذ إجراءات تصحيحية، ستزداد الولايات المتحدة وأوروبا بُعداً، بشكل أكبر، خلال عام 2020، بغض النظر عمن سيكون في البيت الأبيض.

    التوترات الأميركية مع أوروبا ليست جديدة، فحرب العراق قسمت شركاء الأطلسي، لكن تداعيات سابقة كان لها تأثير في السياسة. واليوم أصبح مفهوم التحالف عبر الأطلسي وقيمته موضع تساؤل. ويُعد ترامب أول رئيس أميركي حديث يقوّض التكامل الأوروبي بدلاً من تشجيعه، والنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه تهديد بدلاً من حليف، ما زاد من حالة عدم اليقين في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

    يعتقد العديد من الأوروبيين أن خلافاتهم مع واشنطن ستختفي بمجرد مغادرة ترامب منصبه. صحيح أن رئيساً جديداً يمكنه تخفيف التوترات بالتأكيد، ومن المحتمل أن يُعيد الولايات المتحدة إلى الالتزام بحلف شمال الأطلسي، ويشارك مخاوف أوروبا بشأن تغير المناخ أو روسيا، وعند التعامل مع الخلافات، سيتعامل الرئيس الجديد مع هذه القضايا بخصوصية، بدلاً من إطلاق التغريدات على «تويتر»، ومع ذلك بعد فترة شهر عسل مبدئية، من المحتمل أن يشعر الأوروبيون بخيبة أمل، لأنهم سيكتشفون أن العديد من خلافاتهم مع واشنطن لاتزال موجودة، وتعكس تبايناً طويل الأمد بين المصالح الأميركية والأوروبية.

    هناك خمس مشكلات على وجه الخصوص تنطوي على خطر بث الفُرقة بين أميركا والاتحاد الأوروبي، خلال 2020، بغض النظر عن الشخص الذي يجلس في البيت الأبيض.

    أولاً: التوترات بشأن الإنفاق الدفاعي، إذ من المحتمل أن الأوروبيين، الذين يستفيدون من الحماية الأميركية، سيستمرون في الإنفاق أقل مما تريد واشنطن، علماً بأن الإحباطات الأميركية من انخفاض الإنفاق الدفاعي الأوروبي لم تبدأ مع إدارة ترامب، وستستمر بعده أيضاً. في الواقع، قد تزداد التوترات إذا قرر رئيس مستقبلي خفض الإنفاق الدفاعي الأميركي، ومطالبة الأوروبيين بسد الفجوة، وبالمثل لن تنخفض التوترات التجارية بالضرورة في ظل إدارة جديدة.

    ثانياً: التوترات مع الصين، ففي حين أن مواقف الجمهوريين والديمقراطيين تجاه بكين قد تشددت، فإن الأوروبيين، المدركين لمصالحهم الاقتصادية المتنامية، سيظلون مترددين في الاختيار بين علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة وتنمية العلاقات التجارية والاستثمارية مع الصين، ما يؤدي إلى تفاقم الخلاف مع واشنطن.

    ثالثاً: الاهتمام الأميركي بأوروبا سيستمر في التراجع، وهو نتيجة هيمنة الحرب الباردة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وكما جادل آخرون، فإن الحرب الباردة الجديدة هي مع الصين، وسيكون تركيز السياسة الخارجية الأميركية لأي إدارة مستقبلية هو المحيط الهادئ، وليس المحيط الأطلسي.

    رابعاً، مع صعود القوى الأخرى، فإن قدرة الولايات المتحدة على مراقبة العالم ستنحسر، وستكون مقيدة من قبل جمهور أميركي مُتعب. وكما بدأ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فإن الأوروبيين سيتواصلون مع الخصوم الآخرين، بما في ذلك روسيا والصين.

    أخيراً، سواء كان الأمر يتعلق بإيران أو تغير المناخ، فقد اعتاد الأوروبيون عدم الاتفاق مع واشنطن، خلال السنوات الماضية، وبطريقة لم تكن متصورة في ظل الإدارات السابقة، وهذا الاتجاه لن يتغير، وحتى لو اختار الرئيس التالي الالتزام مجدداً مع الاتحاد الأوروبي، فإن الأوروبيين يعرفون، الآن، أن أي رئيس للولايات المتحدة في المستقبل يمكن أن يعود مرة أخرى إلى النهج الذي تبناه ترامب؛ وسيتحوطون وفقاً لذلك.

    عقد جديد

    العلاقة القوية عبر الأطلسي هي في مصلحة كل من الولايات المتحدة وأوروبا. ومع دخولنا في عقد جديد من المرجح أن يتم تحديد العشرية الحالية من خلال تلاشي النظام الدولي القائم على القواعد، وصعود حقبة جديدة من التنافس بين القوى العظمى، ويُعد الغرب الموحد ضرورياً في مواجهة الصين الصاعدة وروسيا الساعية لاسترجاع أمجاد الماضي، والخبر السار أن مسار الهبوط يمكن تفاديه، ومع ذلك سيحتاج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتغييره إلى تجديد تعهداتهما.

    ماذا يمكن أن يفعل كل منهما؟ اقتصادياً، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يمكنهما أن يُبرما صفقة تجارية جديدة، من شأنها أن تساعد أميركا على سحب أوروبا من الصين، وتمكينها بشكل أفضل من وضع معايير عالمية و«قواعد» دولية جديدة. أما من الناحية السياسية، فيمكن أن تلتزم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باستراتيجية مشتركة تجاه إيران وروسيا والصين وسورية، وغيرها من التحديات، وعسكرياً يمكن لكل منهما أن يُجددا الالتزام بحلف الأطلسي، ويعيدا تشكيله منتدى سياسياً، وليس مجرد قوة عسكرية.

    ديفيد وينايري زميل بمؤسسة «كارنيغي للسلام الدولي» في واشنطن وأستاذ زائر بجامعة نيويورك.


    خطوات غير واقعية

    لسوء الحظ، فإن بعض هذه الخطوات تبدو غير واقعية، حالياً، وإلى أن تتغير الأمور يجب على الأوروبيين التوقف عن خداع أنفسهم بأن التوترات عبر الأطلسي ستختفي بطريقة سحرية بعد ولاية ترامب. وفي غياب التحرك قد تزداد الهوة بين ضفتي المحيط الأطلسي، خلال العقد المقبل، مهما كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية، في نوفمبر.

    مع دخولنا في عقد جديد، من المرجح أن يتم تحديد العشرية الحالية من خلال تلاشي النظام الدولي القائم على القواعد، وصعود حقبة جديدة من التنافس بين القوى العظمى، ويُعد الغرب الموحد ضرورياً في مواجهة الصين الصاعدة وروسيا الساعية لاسترجاع أمجاد الماضي.

    يُعد ترامب أول رئيس أميركي حديث يقوّض التكامل الأوروبي بدلاً من تشجيعه.. والنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه تهديد بدلاً من حليف، ما زاد من حالة عدم اليقين في حلف شمال الأطلسي.

    التوترات الأميركية مع أوروبا ليست جديدة فحرب العراق قسمت شركاء «الأطلسي» لكن تداعيات سابقة كان لها تأثير في السياسة.Àأرشيفية

    طباعة