هاجس من الرعب يهيمن على المنطقة

    شبح سورية لم يمنع التظاهرات العربية من الاندلاع مجدداً

    صورة

    يوجد هاجس من الرعب في العالم العربي، يهيمن شبحه وشروره على السياسة العربية برمتها. ويشكل ذكره تهديداً، مثل اللعنة، كتحذير من الآباء إلى أطفالهم المدللين عندما يسيئون التصرف. واسم هذا الهاجس هو سورية. إنها جرح متقيح لن يشفى في القريب العاجل، لأن الحرب السورية تواصل نزيفها مزيداً من الأرواح البشرية، وتدفع الجيران والحلفاء إلى الانخراط في معاركهم بالوكالة.

    وكما تبدو الأمور على الأرض، فما أن يتم إغلاق جبهة حتى تندلع معركة في منطقة أخرى، وكان آخرها يتعلق بالرئيس الأميركي المزاجي، دونالد ترامب، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي يشعر بانعدام الأمان في بلاده، في حين أن الأكراد في شمال سورية يتحملون ويلات الحرب. إذ إن الانسحاب المفاجئ للأميركيين مهّد الطريق أمام حريق آخر، وتدخل آخر، وحسابات قوة أخرى، حيث يقدم الرئيس السوري، بشار الأسد، الدعم للأكراد، الأمر الذي يستفيد منه تنظيم «داعش». وهرب نحو 100 ألف شخص من بيوتهم في شمال سورية. وعلى الأقل 750 شخصاً يعتقد انهم محاربون سابقون في «داعش» كانوا داخل معسكرات في شمال شرق سورية، أصبحوا طلقاء الآن، ويمكن أن يشدوا من أزر التنظيم الإرهابي.

    وعندما انطلقت التظاهرات السودانية في بداية العام الجاري، تم استدعاء هاجس الرعب السوري. لكن ذلك لم يفِ بالغرض، ولا حتى وصول اللاجئين السوريين إلى السودان، ولكن تزايد أعدادهم في هذا البلد الذي اعتاد إرسال اللاجئين وليس استقبالهم، كان بمثابة الإنذار على الحياة. وكان التحذير مفاده هل هذا ما تريدونه؟ وكان يتم تقديم السيناريو السوري باعتباره أمراً محتوماً يقع على من يطالبون بتغيير قادتهم، أي عندما يتم تحدي النظام الطبيعي. وانتشر سيناريو الخطر السوري في عدد من الدول العربية.

    وواجهت هذه الدول العديد من المتاعب بصورة متواترة. لقد كانت عقاباً لكل من يعتقدون أن في العالم العربي ثمة طريقة أخرى للسياسة، لا يوجد فيها رجل قوي يحكم البلاد. ونسمع هذا المنطق من قبل العرب أنفسهم، إذ إن هناك كثيرين يقولون إنها عقليتنا الصعبة التي تجعلنا بحاجة إلى قادة أقوياء، ليتمكنوا من إدارة وحكم شخصيتنا العنيدة والقوية.

    ولكن يبدو أن منطق الرجل القوي لم يعد ناجحاً، ففي العام الجاري ثبت أن روح الاحتجاجات في المنطقة لم تنته، وإنما هجعت لبعض الوقت. وتمكن السودانيون من الإطاحة بعمر البشير في ثورة كبيرة. وعلى الرغم من أن الدولة تعاني في الأصل الانقسام العرقي والقبلي، الذي بدا جلياً تماماً عندما ظهرت مجموعات إجرامية شبه عسكرية نتيجة هذه الانقسامات، على الرغم من وجود صراع دموي طويل الأمد شبيه بما حدث في سورية. لكن هذا لم يكن كافياً لوقف حاجة المحتجين إلى التغيير. وحتى بعد مقتل المئات وقطع خدمة الإنترنت، ظل المحتجون ينسقون مع بعضهم، وواصلوا الاحتجاجات في شوارع المدن السودانية.

    وفي الأسبوع الماضي، كان لبنان، حيث خرج المحتجون في العديد من المدن اللبنانية، وظلوا مصممين على تغيير الواقع السياسي الذي يحكمهم. وخلال التظاهرات التي بدأت قبل نحو تسع سنوات كان المتظاهرون يطالبون بتغيير الحكم الفاسد، لكنهم الآن يطالبون بتغيير المنظومة السياسية برمتها، التي تعمل على تبديد ثروة البلاد.

    كاتبة في «الغارديان» نسرين مالك


    يتم تقديم السيناريو السوري باعتباره أمراً محتوماً يقع على من يطالبون بتغيير قادتهم، وانتشر خطره في دول عربية عدة.

    طباعة