طرفا الصراع يريدان التفاوض من موقع قوة

مخلفات الحرب تُصعّب التوصل إلى السلام في أفغانستان

صورة

عاد روح الله نبيزادا، وهو ضابط شرطة يبلغ من العمر 30 عاماً وأب لطفلين، إلى عمله في عاصمة إقليم «غزني»، على أمل أن تؤدي محادثات السلام بين الولايات المتحدة و«طالبان» إلى الحد من العنف، إلا أن تفجير مركبة عسكرية من طراز «همفي» في 22 مايو، كان كافياً لتبديد هذا الأمل. أصبح نبيزادا أول فرد من عائلته يفقد حياته بسبب هذه الحرب القاسية التي دخلت عامها الثامن عشر. مثل الآلاف من الأفغان، أُعيد نبيزادا إلى المنزل لوالدته في صندوق خشبي. كل صباح، عندما تشرق الشمس على قرية «سوكا» النائية في منطقة ماليستان في مقاطعة غزني لا تستطيع خديجة والدة نبيزادا أن تمسك نفسها لتجهش بالبكاء. دفن ابنها أمام منزل العائلة على قمة تلة مخصصة للجنود الذين سقطوا. الحزن يمضي عميقاً وهي تنهار بانتظام.

أما زوجها فيقول «لا يمكن التسامح معهم (طالبان)»، متابعاً «نحن لن نسامحهم، ووالدته لن تغفر لهم».

في يوليو 2018 أطلقت الولايات المتحدة محادثات مباشرة مع «طالبان» بهدف إنهاء الحرب، لكن على أرض الواقع استمرت المعارك، ما أودى بحياة كثير من أفراد قوات الأمن الحكومية ومتمردي «طالبان» على حد سواء، وتعميق جراح البلاد. في أواخر يونيو وأوائل يوليو تصاعد العنف في جميع أنحاء البلاد حتى عندما جلس المبعوث الأميركي الخاص للمصالحة الأفغانية، زلماي خليل زاد، للتحدث مع وفد «طالبان» بقيادة نائب رئيس البرلمان الملا برادار، في الدوحة.

يقول الدكتور أورزالا أشرف نعمت، الذي يدير وحدة الأبحاث والتقييم في أفغانستان، إن كلاً من واشنطن و«طالبان» تريدان التفاوض من موقع قوة. وأوضح نعمت أنه مع تكثيف واشنطن و«طالبان» محادثاتهما، كثفا القتال الوحشي أيضاً في جميع أنحاء البلاد.

في الأول من يوليو، وهو اليوم الثالث من الجولة السابعة من محادثات السلام بين الدبلوماسيين الأميركيين ومفاوضي «طالبان»، اقتحم مقاتلو «طالبان» منشأة عسكرية في العاصمة كابول بسيارة محملة بالمتفجرات. أرسل الهجوم برج دخان في سماء كابول وهز المدينة بأكملها، وبعد انفجار العربة تبادل خمسة من مقاتلي «طالبان» الرصاص مع قوات الأمن، وأدى الهجوم إلى إصابة 52 من طلاب مدرسة خاصة قريبة، في تبادل لإطلاق النار.

في اليوم نفسه الذي حدث فيه تفجير كابول، أعلن الدبلوماسي الأميركي البارز زلماي خليل زاد، عن إجراء حوار داخل أفغانستان بين السابع والثامن من يوليو. وبعد انتهاء المحادثات مع «طالبان» في الدوحة في السادس من يوليو، أوقف خليل زاد المفاوضات مؤقتاً حتى تعقد المحادثات بين الأفغان، وقال «لقد كانت الأيام الستة الأخيرة من المحادثات الأكثر إنتاجية حتى الآن».

إراقة دماء

ولكن على الأرض تزامنت الأيام الستة للمحادثات مع إراقة الدماء. العديد من الهجمات أودى بحياة عشرات المقاتلين من الجانبين. قُتل ما لا يقل عن 264 من القوات الموالية للحكومة و58 مدنياً في أنحاء البلاد، وهو أعلى عدد قتلى في عام 2019، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

في السابع من يوليو، حتى عندما كانت مجموعة مختارة من النشطاء الأفغان وأعضاء المجتمع المدني والسياسيين الأفغان يجلسون وجهاً لوجه مع مسؤولي «طالبان»، قام مقاتلو الحركة بتحميل شاحنة بالمتفجرات وسارعوا إلى ضرب مكتب المخابرات الأفغانية في عاصمة مقاطعة غزني الشرقية.

ويعتقد الناشط السياسي المستقل، داود ناجي، أن محادثات السلام السابقة فشلت بسبب عدم وجود وقف لإطلاق النار، وقال «هناك حريق يلتهم الناس. هل هم مستعدون لوقف إطلاق النار لمدة عامين قبل أي اتفاق سلام؟».

ودعا ناجي «طالبان» إلى القدوم إلى كابول وفتح مكتب لمتابعة مصالحهم السياسية، وأضاف «من يدري، قد أقوم بتكوين صداقة مع مقاتل من (طالبان)، وقد يرون أننا مسلمون مثلهم»، لكن حركة «طالبان» تطالب بالانسحاب الكامل للقوات الأجنبية قبل أي اتفاق على إجراء محادثات سلام مع الحكومة الأفغانية أو إعلان وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، كان كثيرون يأملون في أن تؤدي محادثات السلام الحالية إلى نوع من الاتفاق بين الولايات المتحدة و«طالبان». ويعلق المحلل السياسي في كابول، نزار محمد مؤمن، «من السهل التعامل مع الولايات المتحدة، لكن صنع السلام مع بعضنا بعضاً أكثر تعقيداً بكثير». إن استمرار سياسة القتال من جهة والحوار من جهة أخرى بين الحكومة الأفغانية وحركة «طالبان»، يمكن أن يؤدي إلى زيادة العنف في جميع أنحاء البلاد.

وقال رحيم حميدي، وهو من نشطاء السلام «هناك فرق بين عملية السلام السياسية وعملية السلام الاجتماعي»، متابعاً «كلما زاد العنف، قلّ اللاعنف». يبدو أن الحرب المتصاعدة أدت فقط إلى توسيع الفجوة بين الحكومة الأفغانية وحركة «طالبان».

خلال العقدين الأخيرين من التمرد قُتل أكثر من 100 ألف شخص وجُرح عشرات الآلاف، ووصل دمار الحرب إلى كل أسرة تقريباً في أفغانستان، ما يجعل من الصعب التوفيق بين أولئك الذين كانوا يقاتلون من أجل الحكومة وأولئك الذين كانوا في صف «طالبان». وقال مسؤول سابق بحركة «طالبان» أثناء حكم المجموعة، إن ضحايا الحرب من الجانبين يريدون السلام أكثر من أي شخص آخر، «قد يرغب ضحايا الحرب في نهاية الحرب، لكن المصالحة الحقيقية ظلت بعيدة». قُتل الآلاف جراء التفجيرات الانتحارية والغارات الجوية والرمي بالرصاص.

استمرت الحرب فترة طويلة وتسببت في الكثير من الألم لدرجة أن حل النزاع أصبح الآن أكثر تعقيداً من انسحاب القوات الأميركية، أو حتى اتفاقية بين الحكومة الأفغانية و«طالبان». تبقى ندوب الحرب على قلوب الآلاف من أبناء الريف.


استمرار سياسة القتال من جهة والحوار من جهة أخرى، بين الحكومة الأفغانية وحركة «طالبان»، يمكن أن يؤدي إلى زيادة العنف في جميع أنحاء البلاد.

وصل دمار الحرب إلى كل أسرة أفغانية تقريباً، ما يجعل من الصعب التوفيق بين أولئك الذين قاتلوا من أجل الحكومة، وأولئك الذين كانوا في صف «طالبان».

طباعة