على خلفية ما حدث في كفر نابودة

العالم مطالب بالوقوف صفاً واحداً ليحول دون مزيد من القتل في سورية

صورة

ينبغي أن يكون مصير إدلب هو الشاغل الرئيس للعالم الحر، ومع ذلك فإن كل ما تحظى به هذه المحافظة، في أحسن الأحوال، هو بضع كلمات تعبر عن القلق والإدانة. وعندما احتلت القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد، مدينة كفر نابودة، المحررة سابقاً في شمال سورية من قبل المعارضة، ظهر شريط فيديو نشره الجيش السوري، كان من المفترض أن يرسل رجفة شديدة في جسد المجتمع العالمي.

لكن لا يبدو أن العالم لايزال يكترث لهذا الموضوع عندما يتعلق الأمر بسورية، فقط عدد قليل من وسائل الإعلام رصدت عبارات مخيفة من رجال الميليشيات، الذين ظهروا في الشريط وهم يضحكون ويسخرون، ويشربون الكوكا كولا على خلفية الدمار الذي تسببوا فيه، وذلك بفضل سلاح الجو الروسي. يقول أحدهم «لن تكون هناك حافلات خضراء هذه المرة، سيتم دفنهم تحت سقوف منازلهم»، ويقصد بذلك السوريين المحاصرين في إدلب، آخر محافظة سورية محررة من قبل المعارضة، والتي تم تحديد مصير استعادتها للقوات الرسمية في الأشهر الثمانية الماضية في صفقة بين تركيا وروسيا، من أجل «منطقة منزوعة السلاح».

تركيا

وهنا يمكننا الإشادة بتركيا فقط، لأنها سترسل قوات برية لإدلب، لتفادي حدوث مذبحة جماعية وعمليات تطهير. وإذا حذت الولايات المتحدة وأوروبا حذو تركيا، فلن تستطيع روسيا ببساطة مهاجمة المحافظة. وعلى الرغم من الادعاء بأنها تمثل «صفقة سلام»، فإن «تجريدها من السلاح» كان دائماً وسيلة يستخدمها الأسد وروسيا، من أجل استعادة المناطق المحررة في سورية.

وكما حذرت في ذلك الوقت، فإن تركيا تقف وحدها، ولن تستطيع وحدها منع روسيا والأسد من تحقيق رغبتهما النهائية المتمثلة في تدمير البنية التحتية المدنية للمحافظة، وتطهير السكان الحاليين - كل ذلك كي يمكن السيطرة عليها، وحكمها بسهولة أيا كان ما تبقى منها.

سياسة الأرض المحروقة

وهو ما يقودنا إلى «الحافلات الخضراء»، التي أشارت إليها المليشيات في الفيديو. وهذه إشارة إلى الحافلات المستخدمة سابقاً، «لإجلاء» المدنيين من المناطق التي يستعيد فيها الأسد وحلفاؤه السيطرة على المناطق المحررة، وأكثرها شهرة هي حلب والغوطة، في أعقاب حملات تتعرض فيها المناطق المدنية للقصف والحصار. ومن يتبقَّ في هذه المناطق يتم إجلاؤه وتحميله على متن الحافلات «الخضراء»، ويُجبر على العيش حياة محفوفة بالمخاطر كلاجئ - وظلت الوجهة هي، في أغلب الأحيان، إدلب.

وعلى الرغم من أن كلمة «الإجلاء» تستخدم غالباً في هذه الظروف، فإن الواقع يكمن في التطهير العرقي الديني واسع النطاق. ويدرك الأسد وحلفاؤه أن العودة إلى الوضع السابق أمر مستحيل في سورية. وبالتالي، فإن الهدف الأساسي هو تطهير التركيبة السكانية.

قبل الحرب، كان عدد سكان إدلب 1.5 مليون نسمة، والآن يبلغ عدد سكانها 4 ملايين نسمة، حيث تمثل نقطة استقطاب للمدنيين المشردين داخلياً. والسؤال الرئيس الذي يدور في أذهان القلة ممن يهتمون بهذا الشأن هو: إلى أين سيهرب من هم في إدلب بمجرد أن يندلع القتال هناك؟

موجة متصاعدة من العداء

تركيا تغص بالفعل باللاجئين السوريين، وبالكاد تستطيع أن تستوعب أكثر من ذلك. ومع ظهور قوى سياسية مثل «حزب الشعب الجمهوري» و«التحالف الوطني» التابع في الانتخابات المحلية الأخيرة في تركيا، برزت إلى السطح موجة جديدة من العداء تجاه اللاجئين السوريين، بما في ذلك محاولات لقطع المساعدات عن السوريين على المستوى البلدي. وفي وقت سابق من هذا الشهر، عندما بدأت روسيا والأسد في تكثيف الهجمات الجوية على بلدات مثل كفر نابودة، والتي تعد ذات أهمية استراتيجية كمنطلق لأي هجوم بري واسع النطاق على إدلب، تم تطهير 150 ألف سوري في غضون بضعة أيام فقط خلال تلك العمليات. وكان معظمهم قد شق طريقه إلى إدلب، وغالباً ما كانوا ينامون في العراء، أو في المخيمات المكتظة بالفعل على طول الحدود التركية.

ويمكن رؤية الضراوة الشديدة للهجمات على أماكن مثل كفر نابودة من خلال صور الأقمار الاصطناعية، حيث لم يتبق في المدينة سوى القليل، ويبدو أنه تم تطهيرها بالكامل من المدنيين.

ونعلم أن الموجة الأخيرة من الغارات الجوية، والتي تم فيها استخدام صواريخ روسية وبراميل متفجرة، كانت أعنف الهجمات منذ 15 شهراً، حيث تم استهداف المدنيين الفارين.

قد لا يكون التحذير المشؤوم المتمثل في «عدم وجود حافلات خضراء» مجرد سخرية - بل إنه قد يشير جيداً إلى نية الحكومة وروسيا في استخدام القوة وحدها لاستعادة المحافظة. وعلى الرغم من أن تكتيكاتهم في الماضي، كانت وحشية بما فيه الكفاية، لكنها تنتهي دائماً بتطهير محكم. وكانت الحملات ضد حلب والغوطة ودرعا من أكثر الجرائم وحشية في القرن الحادي والعشرين، لكن ما يتهدد إدلب يمكن أن يكون رعباً على نطاق غير مسبوق.

ولعل أحد أعظم انتصارات الأسد وروسيا وإيران لا يكمن في إقناع العالم باستطاعتهم تهدئة المنطقة، بل في صرف الانتباه عن الجرائم التي لاتزال هذه الأطراف ترتكبها في سورية. فالعالم ببساطة لا يهتم بكل ما يجري، نحن نعلم أنه مهما بلغ حجم الأرواح السورية المزهقة، فلن يجبر العالم على اتخاذ اي رد فعل.

عبث

قد يكون من العبث أن نكتب عما يجري في سورية، لكن يجب أن يخرج ملايين الناس في إدلب إلى الشوارع. يجب أن يكون مصير إدلب هو الشغل الشاغل للعالم الحر، ومع ذلك فإن كل ما يحظى به، في أحسن الأحوال، هو بضع كلمات تعبر عن القلق الإنساني الشديد والإدانة. إذا كان العالم الحر لا يستطيع أن يهتم بحياة السوريين، فقد يحفزه شبح أزمة اللاجئين المتجدد والمتزايد على العمل.

وعدم التحرك لوقف الإبادة الجماعية في سورية قد أدى بالفعل إلى صعود تنظيم «داعش»، الذي لفت انتباه العالم فقط عندما تدفقت الدماء في شوارع المدن الأوروبية، وكذلك صعود الفاشية، المناهضة للديمقراطية، وهي المجموعات الموالية لروسيا في جميع أنحاء أوروبا. وفي هذا الوضع توقفت الأمم المتحدة من إحصاء اعداد القتلى منذ قبل نحو ست سنوات.

ويأمل العالم المتحضر، كما هي الحال دائماً، أن يموت السوريون بهدوء وبعيداً عن عالمهم الحر الحالي. لكننا نعلم أن الثورة المضادة معدية - وأن سورية، بعلاقاتها المتسمة بالوحشية والإبادة الجماعية، تمثل نقطة ارتكاز للتدهور الكبير الذي أصاب النظام العالمي المنهار بالفعل. على الرغم من أن مصير إدلب قد يبدو غير ذي أهمية بالنسبة لأولئك في الغرب، فإن عواقب تدمير إدلب ستجد بلاشك طريقها إلى شواطئ أوروبا.

• تركيا تغص باللاجئين السوريين، ولا تستطيع استيعاب أكثر من ذلك. ومع ظهور قوى سياسية، مثل «حزب الشعب الجمهوري»، و«التحالف الوطني»، برزت إلى السطح موجة جديدة من العداء تجاه اللاجئين السوريين.

• الحملات ضد حلب والغوطة ودرعا كانت من أكثر الجرائم وحشية في القرن الحادي والعشرين، لكن ما يتهدد إدلب يمكن أن يكون رعباً على نطاق غير مسبوق.

• لعل أحد أعظم انتصارات الأسد وروسيا وإيران لا يكمن في إقناع العالم باستطاعتهم تهدئة المنطقة، بل في صرف الانتباه عن الجرائم التي لاتزال هذه الأطراف ترتكبها في سورية.

سام حمد - كاتب اسكتلندي من أصل مصري

طباعة