ظلت صوتاً مناهضاً له

إغلاق مجلة «ويكلي ستاندرد» يقلّص مساحة اليمين المحافظ المناهض لتـــرامب

صورة

زعم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنه حقق فوزاً على أحد منتقديه الأقوياء، المجلة التابعة للتيار الأميركي المحافظ الراسخ، «ويكلي ستاندرد»، فبعد أن أعلنت المجلة اخيراً إغلاق مكاتبها، وتسريح عشرات الأشخاص من موظفيها خلال موسم الأعياد، سرعان ما لجأ ترامب الى «تويتر» للاحتفال بطريقته الخاصة بهذا الحدث. وكتب «مجلة (ويكلي ستاندرد) المثيرة للشفقة وغير الشريفة، التي يديرها هذا الفاشل المتنبئ، بيل كريستول (الذي، مثله مثل كثيرين آخرين، ليس لديه أدنى فكرة)، أصبحت مفلسة تماماً وخارج العمل. مؤسف جداً. أتمنى أن ترقد في قبرها بسلام!»

إعادة صياغة المفاهيم

المبرر الذي دفع ترامب ليرثي ويسخر من هذه المطبوعة واضح جداً، حيث إن نهاية «ويكلي ستاندرد» ستقلص المساحة التي يحتلها اليمين المحافظ المناهض لترامب، وهي علامة أخرى على مدى رغبة ترامب في إعادة صياغة الحزب الجمهوري وفقاً لمفهومه الخاص، مجموعة من القيم مختلفة تماماً عن السياسات التي كان يعتنقها باعتزاز المحافظون الأميركيون.

أسّس هذه المجلة كريستول، وفريد بارنز في عام 1995، فبعد انعقاد المؤتمر التاريخي الكاسح للحزب الجمهوري، وبعد أن نشر نيوت غينغريتش كتابه الوثائقي «عقد مع أميركا»، صعدت مجلة «ويكلي ستاندرد» لتصبح النقطة المحورية للمفكرين المحافظين في الولايات المتحدة، وكان يطلق عليها أيضاً «مجلة الطيران الرئاسي «إيرفورس ون» خلال إدارة جورج دبليو بوش.

تضمنت المجلة بعضاً من أكثر الأصوات اليمينية رزانة، من شارل كراوثامر إلى ديفيد فروم إلى كريستوفر هيتشنز وديفيد بروكس، وكانت قوة رئيسة في الدفع للترويج للحرب على الإرهاب والحرب في العراق. وخلال العامين الأخيرين أو ما يقرب من ذلك، أصبحت بمثابة منصة لبعض النقاد الأقوى لترامب. وقد انتقد كاتبو المجلة، كريستول من بينهم، الرئيس لتمسكه بأجندة» أميركا أولاً»، ولخيانته للقيم المحافظة، ولتشككه، وهجماته على المؤسسات والتقاليد الأميركية، وعدم تبنيه سياسة متماسكة. ويبدو أن المشاركين في المجلة سيتم نقلهم إلى مجلة «واشنطن اكسامنر» التي أعيد إطلاقها، وهي أقل التزاماً بالمعارضة المبدئية تجاه ترامب.

صوت نادر

من المتوقع أن يصبح المحافظون المناهضون لترامب صوتاً نادراً في الحياة الإعلامية الأميركية بعد اغلاق «ويكلي ستاندرد»، حيث إن المعلقين، الذين غالباً ما يتمتعون بخبرة عميقة في الحكومة، إن لم يكونوا قد خدموا في البيت الأبيض في ظل الرؤساء الجمهوريين، ينتقدون ترامب اعتماداً على المثل والمبادئ، الأمر الذي من شأنه أن يفتح المجال أمام ما يسمى بـ«غرف الصدى» الحزبية، التي تزيف الآراء وتتلاعب بالحقائق في كل من اليسار واليمين.

لكن غياب «ويكلي ستاندرد» ليس سوى علامة واحدة على مدى هشاشة الأرض التي ترتكز عليها الحركة المناهضة لترامب، حيث اصبح منتقدوه أكثر شراسة من أي وقت مضى، في الوقت الذي ينظم فيه الموالون لترامب صفوفهم خلفه. حتى كبار الخبراء الاستراتيجيين في الحزب الجمهوري وصانعي السياسات الذين رفعوا باستمرار ناقوس الخطر ضد ترامب، مثل فروم وآنا نافارو، يعتبرون «غير موثوق بهم» بشكل لا يمكن تصديقه من قبل معظم مؤيدي ترامب، الذين يرفضون أيضاً الدعوات لإعادة التفكير وإعادة إحياء التيار المحافظ، بعد التدهور المريع الذي عاناه من ترامب.

ومن المرجح الآن أن يجد المحافظون المناهضون لترامب ترحيباً وفرص عمل في وسائل إعلام يسار الوسط، مثل صحيفة «نيويورك تايمز»، و«ذي أتلانتيك»، و«واشنطن بوست». وفي الواقع، كان الأسبوع الذي سبق إعلان اغلاق المجلة بمثابة مثال آخر على الأغوار السحيقة التي انحدرت اليها وسائل الإعلام الموالية لترامب، مثل «فوكس نيوز»، التي تسمى بالكابل الداخلي لترامب. الأربعاء الماضي، وأمام مقدمة برامج «فوكس نيوز»، لورا إنغراهام، الأكثر شعبية، زعمت المعلقة السياسية الجمهورية، آن كولتر، أن الحزب الديمقراطي يتألف من «المسلمين واليهود ومختلف الجماعات ذات الميول الجنسية الغريبة، وسيدات الكنيسة السوداء، مع الكثير من المخنثين، الذين وحدتهم فقط كراهيتهم للبيض». وسرعان ما تعرضت كولتر للهجوم من جميع الأطياف السياسية كعنصرية.

وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، ناقش كل من مقدم برامج «فوكس نيوز»، شون هانيتي، والمساعد السابق في البيت الأبيض ومساعد «فوكس نيوز»، سيب غوركا، ناقشا الحكم على مستشار الأمن القومي السابق، مايكل فلين، الذي أقر بأنه مذنب في الكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي. وشكك كل من غوركا وهانيتي مراراً وتكراراً في تماسك مكتب التحقيقات الفيدرالي، ما حد من تصرفات فلين، ووصفا ما حدث له بـأنه مجرد «شرك منصوب»، وذهب غوركا إلى الحد الذي اقترح فيه على ترامب إصدار عفو عن فلين، وأن يجعله رئيساً جديداً لموظفي البيت الأبيض.

ولاحقاً أعلن مقدم برامج «فوكس نيوز»، تاكر كارلسون، الذي ارتفعت شعبيته منذ أن سلك منعطفاً عنصرياً حاداً، أن المهاجرين يجعلون الولايات المتحدة «أكثر وأشد فقراً». ومن المفارقات أن كارلسون كان جزءاً من أول طاقم في «ويكلي ستاندرد»، وظهر اسمه على أسماء العاملين في المجلة عند صدورها أول مرة.

وفي حين تعمل وسائل الإعلام المؤيدة لترامب بنشاط من أجل التشكيك في منتقدي ترامب والتحديات القانونية التي تدور حول ذلك، ومحاولة جعل بعض سياساته الأكثر تشدداً، مثل موقفه بشأن الهجرة، تبدو أكثر قبولاً وإلحاحاً، لم تفعل «ويكلي ستاندرد» أياً من ذلك، بل ظل كتابها متمسكين بمبادئ المحافظين الحديثة: التجارة الحرة، واحترام حكم القانون، والوقوف أمام الطغاة الأجانب.

وركزت مجلة «ويكلي ستاندرد» أيضاً على توسيع الحركة المحافظة لتشمل النساء والأقليات والناخبين الأصغر سناً. وقدم المعلق السياسي الجمهوري، بن شابيرو، في مايو من هذا العام، وصفة لكيفية الفوز بهذه المجموعات الشابة. ويجادل بأنه يجب استقطاب الشباب من خلال تركيز الحزب الجمهوري على محاربة التصويب السياسي، «حرية التعبير جيدة، لأن لديك قيمة كإنسان، تتميز بوجهة نظر فريدة، لا يمكن اختزالك إلى لون بشرتك أو عرقك أو دخلك».

ظلت المجلة مرادفاً للمحافظين الجدد. وفي حين أن هذا المصطلح قد تحول إلى ما يشبه الازدراء، فإن مبادئ المحافظين الجدد تفسر السبب في أن العديد من كتاب المجلة، لم يتبنوا طريقة ترامب. وسعى المحافظون الجدد، وكثير منهم ذوو جذور يهودية، إلى ضمان أن يتم الحفاظ على الانتصارات التي حصلوا عليها في القرن العشرين على الفاشية والشيوعية، ومن أجل حقوق الإنسان ومناهضة الإبادة الجماعية، مهما كان الثمن. كتب الكاتب الصحافي، هيتشنز في «ويكلي ستاندرد» في سبتمبر 2005، دفاعاً عن الحرب في العراق، قائلاً: «التعايش مع الأنظمة العدوانية أو التوسعية والديمقراطية والإيديولوجيات الشمولية ليس ممكناً في الواقع». وعلى الرغم من الإخفاقات الواضحة والمأساوية في سياسة المحافظين الجدد، وليس أقلها في الشرق الأوسط، إلا أنها مازالت تعلن عن إخلاصها إلى الأسس الأخلاقية، والدستور وما كان مقبولاً عالمياً كقيم أميركية محافظة.

عداء طويل الأمد

هذا هو السبب في أن «ويكلي ستاندرد» كان لها عداء طويل الأمد مع عضو مجلس النواب ستيف كينج، المعروف باسم عضو الكونغرس الأميركي العنصري الأبيض، الذي قفز بسرعة على عربة ترامب وأخذ في تقريع «ويكلي ستاندرد» بعد اغلاقها. وغرد كينج قائلاً: «ترامب على حق، و(يكلي ستاندرد) تستحق الموت (مثيرة للشفقة وغير شريفة). إذا كانت المقالات التي تستهدفني قد تم حذفها ولم يتبقّ غير الحقيقة فقط، فلن يبقى هناك الكثير لقراءته».

الهجرة

كانت الخلافات شرسة بشكل خاص في ما يتعلق بالملاحظات المعادية للهجرة التي قالت «ويكلي ستاندرد» إن ستيف كينغ، الذي كان عضواً في الكونغرس، وهو عضو سابق في الحزب الجمهوري؛ قد أدلى بها. ونفى كينغ في وقت لاحق أن يكون صوته واضحاً في الفيديو وتحدى المجلة بأن تعيد نشر الأشرطة، وهو ما فعلته في النهاية. ورد مساعد صفحة الرأي السابق في «ويكلي ستاندرد»، آدم روبنشتاين، على كينغ في «تويتر»: «أطلقنا التسجيل الصوتي الخاص بك، بعد أن طعنت في تقريري. وكما قال هايس (رئيس التحرير السابق للمجلة)، لن نركز على عنصريتك إن لم تكن عنصرياً بالفعل».

وقال نائب رئيس تحرير مجلة «ويكلي ستاندرد»، جون بودوريتز، عن كينغ: «المشكلة في هذه التغريدة (تستحق الموت) هي أنك كاذب كريه ومثير للاشمئزاز ووصمة عار على الحياة العامة الأميركية. إن رائحة غرائزك وآرائك تلوث منطقتك وولايتك وحزبك والولايات المتحدة».

- المبرّر الذي دفع ترامب ليرثي ويسخر من «ويكلي ستاندرد»

واضح جداً، حيث إن نهايتها ستقلص

المساحة التي يحتلها اليمين المحافظ المناهض له،

وهي علامة أخرى على مدى رغبته

في إعادة صياغة الحزب الجمهوري

وفقاً لمفهومه الخاص.

- توقعات بأن يصبح

المحافظون

المناهضون لترامب

صوتاً نادراً في الحياة

الإعلامية الأميركية،

بعد إغلاق «ويكلي

ستاندرد».

طباعة