إثر دعوات لإنشاء حكومة عراقية ذات سيادة حقيقية

تزايد الصراع الشيعي الداخلي حول تحجيم «النفوذ الإيراني»

صورة

يبدو أن الميليشيات الشيعية العراقية المدعومة من إيران، التي كان ينظر إليها الكثير من العراقيين باعتبارها منقذ الدولة من تنظيم «داعش» الإرهابي، تعمل الآن على زعزعة استقرار الحكومة العراقية الوليدة والهشة، كما أنها أصبحت مصدر توتر إضافياً بين بغداد وواشنطن.

وكان هناك شعور عام بالارتياح عندما تم تشكيل الحكومة العراقية، بعد محاولات مضنية في شهر سبتمبر، استغرقت خمسة أشهر من تاريخ الانتخابات في مايو الماضي. ولكن الميليشيات، المعروفة بقوات الحشد الشعبي، التي تمثل سلاح إيران الرئيس في العراق، تعمل على تفتيت هذه الوحدة الوطنية الهشة أصلاً، وأصبحت قوة انقسام في هذه الدولة التي بدت الشهر الماضي فقط وكأنها تسير نحو المصالحة على نحو يدعو للتفاؤل.

وظهرت أزمة تتعلق بوزير الداخلية المقبل للعراق، الذي من المفروض أن يكون مسؤولاً عن هذه الميليشيات. ويصر المسؤولون عن هذه الميليشيات والموالون لإيران، على أن مرشحهم فالح الفياض، وهو الرئيس الرسمي لقوات الحشد الشعبي، أن يكون هو وزير الداخلية المقبل. وينضوي نحو 60 ميليشيا تحت لواء الحشد الشعبي، التي تم تأسيسها عام 2014 لمحاربة «داعش»، والعديد من هذه الميليشيات موالٍ لطهران.

وعندما تأسست هذه الحكومة في بغداد، تم تأجيل عملية اختيار منصب وزير الداخلية، إضافة إلى مناصب أخرى. ويريد القائد لإحدى ميليشيات الحشد الشعبي، هادي العامري، الموالي لإيران، الذي جاء ترتيب ائتلافه ثانياً في الانتخابات، أن يكون فياض وزيراً للداخلية. وأوضح رئيس التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي حقق ائتلافه غالبية الانتخابات، أن جميع الموالين لإيران ليس لهم مكان في الحكومة الجديدة.

والأمر الأكثر إثارة وكارثية أيضاً، بشأن هذا الصراع العراقي أنه يعكس وجود صراع شيعي - شيعي متفاقم في العراق. وفي الماضي كانت المشكلة الرئيسة المثيرة للقلاقل السياسية هي الطائفية. ولكن الانتخابات الأخيرة جلبت معها اثنين من السياسيين المستقلين تقريباً، هما رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي، ورئيس الجمهورية برهم صالح، وكان الرجلان ينويان كبح جماح تدخلات إيران في الشؤون العراقية. وزار صالح فياض في 3 نوفمبر الماضي، وطلب منه أن يسحب ترشيحه مخافة انهيار الحكومة.

التحالف في خطر

واتحدت المجموعات الشيعية المتنافسة بقيادة الصدر والعامري، لتشكيل الحكومة الجديدة، ولكن هذا التحالف أصبح الآن في خطر. وكتب الصدر في رسالة مفتوحة إلى العامري في نوفمير الماضي، مشدداً على رغبته في التحصن من التدخل الإيراني، حيث قال: «تحالفت معك، وليس مع الفاسدين والميليشيات. واتفقنا على إدارة العراق معاً بصورة صحيحة، وأسلوب جديد، تكون فيه سيادة العراق واستقلاله مصانة ومحفوظة».

وترى الولايات المتحدة أن ثمة قضية مشتركة بينها وبين المجموعات الشيعية التي ترفض تدخلات إيران، وهي تعتقد أن قمع المجموعات المدعومة من إيران يعتبر من أولوياتها. وتعمل الميليشيات كجنود مشاة في حروب إيران بالوكالة في شتى أنحاء الشرق الأوسط. ويريد العديد من السياسيين والقادة المتحالفين مع إيران أمثال العامري وفياض أن تكون الميليشيات بديلاً عن الجيش العراقي. وهذا سيسمح بقيام جيش مستقل داخل العراق، ولكنه يتلقى أوامره من طهران. ويحمل هذا النموذج من الجيوش شبهاً كبيراً لحزب الله في لبنان، الذي تشكل بعد الثورة الإسلامية في إيران لتصدير الأيديولوجية الإيرانية إلى المنطقة.

قوة زعزعة

ونظراً لإدراك حكومة الولايات المتحدة الكامل أن الميليشيات هي قوة زعزعة لاستقرار العراق، فقد حاولت خلال السنوات الأخيرة الضغط على الحكومة العراقية لإخضاع هذه الميليشيات لسيطرة الدولة. وحاول رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي تحقيق ما تريده الولايات المتحدة بشأن الميليشيات لكنه فشل. وحتى لو كان جزءاً من الحكومة الحالية يؤيد توجهات الولايات المتحدة بشأن الميليشيات إلا أن المشكلات لن تتوقف، إذ إن الميليشيات تخضع إلى حد كبير للسيطرة غير الرسمية لحراس الثورة الإيرانية. وهم أداة قوية بالنسبة لإيران تقوم من خلالها بتوسيع وتعزيز سلطتها داخل العراق.

وكان مجلس النواب الأميركي قد أصدر قانوناً في نهاية شهر نوفمبر الماضي، يدعو إلى فرض عقوبات على اثنتين من أقوى الميليشيات العراقية المدعومة من إيران. ويرأس إحداهما قصي الخزعلي، وهو القائد المسؤول عن مقتل خمسة جنود أميركيين في مدينة كربلاء العراقية عام 2007، وتم اعتقاله من قبل قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يصدر الكونغرس قوانين مماثلة. وعلى الرغم من أن مثل هذه القوانين تثير غضب إيران، إلا أنها لا تقدم شيئاً يذكر لمساعدة الدولة العراقية في إجبار الميليشيات على إطاعة القوات المسلحة العراقية، على الرغم من أنها تعتبر تحت سيطرة وزارة الداخلية من الناحية الرسمية.

ويحاول المسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترامب زيادة الضغط على الميليشيات كجزء من الحملة ضد التوسع الإيراني في الشرق الأوسط. ويدعو كل من وزير الخارجية، مايك بومبيو، والممثل الخاص لإيران، بريان هوك، طهران لوقف دعم الميليشيات في لبنان وسورية، والعراق والبحرين واليمن.

ويعكس هذا التشديد الجديد على الميليشيات تغيراً في السياسة الأميركية. فخلال الأشهر الأخيرة ركزت الإدارة الأميركية حملتها المناوئة لإيران على انتشار الصواريخ البالستية الإيرانية في المنطقة. بعد قيام إيران بنقل صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق. والآن تولي الإدارة أهمية مماثلة لإخضاع هذه الميليشيات للسيطرة. ولكن لا تحظى الخطوة الأميركية بدعم جميع العراقيين. ويتساءل بعض العراقيين الذين يعتقدون أن الميليشيات مفيدة لتحقيق الامن، عن السبب الذي جعل الولايات المتحدة التي كانت تدعم ميليشيات الحشد الشعبي خلال قتالها ضد «داعش»، أصبحت الآن ضدها.

وتشعر واشنطن بالقلق من مغبة استخدام إيران للميليشيات ضد منشآت وقوات أميركية لاتزال موجودة في العراق، في الوقت الذي يتصاعد فيه الصراع ضد إيران إثر قرار إدارة الرئيس ترامب فرض عقوبات جديدة على طهران. ويهدد القادة الإيرانيون وقادة حراس الثورة الايرانية بالانتقام من خلال وكلائهم، ليس في العراق فقط، وإنما في أماكن أخرى من الشرق الأوسط.

وتقول مصادر عراقية رفيعة إنه من المستحيل إخضاع ميليشيا الحشد الشعبي لسيطرة الدولة، لأنهم يتلقون أوامرهم من الحرس الثوري الإيراني. وهذا سبب كفيل بجعل الحكومة العراقية الجديدة لا تسمح لأي شخص موالٍ لإيران بشغل منصب وزير الداخلية البالغ الأهمية. وبصورة عامة يرغب العديد من القادة العراقيين أن يكون العراق دولة تتمتع بسيادة حقيقية، والطريقة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف تتم عن طريق تهميش الموالين لإيران.

- واشنطن تشعر بالقلق من مغبة استخدام إيران

للميليشيات ضد منشآت وقوات أميركية لاتزال

موجودة في العراق، في الوقت الذي يتصاعد

فيه الصراع ضد إيران إثر قرار إدارة الرئيس ترامب

فرض عقوبات جديدة على طهران.

- الميليشيات تعمل كجنود مشاة في حروب إيران بالوكالة في شتى أنحاء الشرق الأوسط.

طباعة