على الرغم من اندحار التنظيم الإرهابي

الإيزيديون لايزالون يعانون القلـق وذكريات «داعش»

صورة

أصبحت مدينة سنجار العراقية ذات الموقع الاستراتيجي خالية من المدنيين ومن الحياة أيضاً، وهي مدفونة تحت الأنقاض. وعلى الرغم من تحريرها من تنظيم «داعش» الإرهابي قبل ثلاث سنوات، إلا أن المدينة لاتزال أكواماً من الركام، كما أنها تعج بالميليشيات التي تحارب بالوكالة، وتتنافس في ما بينها من أجل السيطرة الإقليمية.

وتقع المدينة على بعد 20 ميلاً من الحدود السورية إلى الجنوب من جبل سنجار، وهي سلسلة جبلية طالما اتسمت بالأهمية الجغرافية. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت سنجار موطناً للإيزيديين، وهم أقلية دينية، تعرضت للاضطهاد والقتل من قبل تنظيم «داعش». وفي 3 أغسطس 2014 احتل التنظيم المدينة وعاث بها فساداً وتقتيلاً، وخطف العديد من النساء والفتيات الذين تم نقلهم إلى سورية، وباعهن إلى مقاتليه في سورية.

تنافس الميليشيات

ومنذ تحرير سنجار في نهاية عام 2015، تدفق عدد كبير من الميليشيات إلى المدينة، ما شكّل فراغاً في القيادة يهدد استقرار المنطقة. وقالت كبيرة مستشاري مجموعة الأزمات الدولية حول العراق، ماريا فانتابي، لمجلة «فورين بوليسي»: «على الرغم من تحرير المدينة من (داعش)، إلا أن الوجود الأجنبي لايزال يحتل أجزاء كبيرة منها، حيث تتنافس الأجندات العراقية والأجنبية عن طريق ضم الإيزيديين إلى المجموعات المسلحة المتنافسة». وأضافت أن استمرار وجود هذه المجموعات في المنطقة يمنع عملية إعادة البناء، وتأمين عودة آمنة للإيزيديين إلى بيوتهم.

وهناك أربع مجموعات حالياً تحتل سنجار والمناطق المحيطة بها، ولكن دون أن تتمكن أي منها من السيطرة الكاملة، وهي: القوات الحكومية العراقية، ووحدات حماية الشعب الكردي، وميليشيات «الحشد الشعبي»، وهي قوات شبه عسكرية عراقية تحظى برضا الحكومة ومدعومة من إيران، وآخرها قوات حماية الشعب الإيزيدي وقوامها 3000 مسلح. وتختلف الرايات المرفوعة عند نقاط التفتيش، حيث يحاول كل طرف تأكيد سيطرته.

ويسود انعدام الثقة بين هذه القوات، خصوصاً إزاء تلك المدعومة من إيران. وقال نائب قائد قوات حماية الشعب الإيزيدي، إيدو حيدر مراد: «ليس هناك أمن في سنجار بسبب كثرة المجموعات المسلحة»، ودعا المجتمع الدولي إلى إنشاء قوات في سنجار لحماية الإيزيديين، ولكن التفاوض بشأن ذلك مع الأميركيين والأوروبيين لم يأتِ بنتائج مهمة حتى الآن. وقال مراد إنه طلب مقابلة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ولكن لم يتلقَّ رداً حتى الآن. وقال إنه يخشى سيطرة «ميليشيات الحشد الشعبي»، لأنهم أسوأ من «داعش».

ووفق تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، ثمة أسباب تدعو الإيزيديين للقلق. ومنذ أكتوبر 2017 كانت «ميليشيات الحشد الشعبي» لها اليد العليا في سنجار، وهي تؤمّن ممراً لإيران لإيصال إمداداتها إلى سورية.

ولكن «ميليشيات الحشد الشعبي» رفضت هذه النظرية، وأكدت أنها لا تحاول السيطرة على أي منطقة. وقال قائد «الحشد الشعبي»، خلاء علي: «لو أردنا استخدام سنجار لأغراض خاصة، فإن ذلك سيتم بحثه مستقبلاً»، واعترف بأن إيران تدير شؤون مجموعته كي يكون لها وجود أقوى في المنطقة، لكنه رفض ذكر تفصيلات أخرى.

وفي هذه الأثناء، أكد الجيش العراقي للمدنيين أن المنطقة آمنة، وقال لمجلة «فورين بوليسي» إن السبب الوحيد الذي يمنع من سيطرته الكاملة على سنجار هو الافتقار إلى تعداد ملائم من الجنود، وفق ما قاله اللواء نجم عبدالله الجبوري، قائد عمليات نينوى.

وحتى الآن لايزال الآلاف من الإيزيديين الذين هربوا من بيوتهم قبل أربع سنوات، يشعرون بالقلق وعدم الاقتناع بما يقال لهم، في الوقت الذي لاتزال الذكريات المؤلمة لما تعرضوا له من «داعش» ماثلة في أذهانهم، حيث تخلت عنهم القوات العراقية والكردية.

ولايزال هناك نحو 3000 إيزيدي يختبؤون في الجبال، مفضلين البقاء هناك وقضاء شتاء بارد آخر في الخيام البالية على العودة إلى بيوتهم. وفي زيارة إلى سنجار في أكتوبر الماضي، قال العشرات من الإيزيديين لمجلة «فورين بوليسي» إنهم لا يثقون بأي مجموعة مسلحة في سنجار. وقال الضابط السابق في الجيش العراقي الإيزيدي بركات هوديدا كاستل (38 عاماً): «إذا لم يجلبوا لنا قوات دولية لن نعود». وكان هذا الرجل أسيراً لدى «داعش» ويعيش في الجبال منذ أن دفعت عائلته 60 ألف دولار لإطلاق سراحه في صيف 2014. وأضاف وهو يصف ما حدث له خلال أسره لمدة شهر لدى «داعش» في سورية: «لقد أخبروني أنهم سيعمدون إلى قطع رؤوسنا وإرسالها إلى أقربائنا».

ويعلّق معظم الإيزيديين الذين يعيشون على الجبال آمالهم على صنع مستقبل جديد خاص بهم. وخلال العام الجاري حصلت الفتاة الإيزيدية ناديا مراد، وهي من منطقة سنجار على جائزة نوبل، نظير الجهود التي بذلتها لإنهاء العنف الجنسي كسلاح في الحرب.

وكانت مراد واحدة من أصل 6500 امرأة وفتاة إيزيدية تعرّضن للخطف والبيع عندما احتل «داعش» سنجار عام 2014. لكنها تمكنت من الهرب والوصول إلى ألمانيا، حيث تعيش الآن كلاجئة، وتدير مبادرة نادية، وهي منظمة للدفاع عن المرأة. وقالت مراد لـ«فورين بوليسي»: «عانينا كثيراً، ولكننا لم نيأس. ولم يقدم لنا أحد يد العون أو المساعدة عندما هاجمنا (داعش)، ولكنني آمل أن هذه الجائزة تعني أن المجتمع الدولي سيساعدنا للتعافي من حالة الإبادة التي تعرضنا لها، ويمنع الهجمات ضد المجتمعات الأخرى الشبيهة بنا في المستقبل».

وعمدت مراد إلى التبرع بكامل قيمة الجائزة إلى المنظمة التي تديرها، وهي تأمل أن تسهم الجائزة في إقناع الحكومة العراقية، إضافة إلى الدول الأخرى، بتشكيل قوات خاصة لإنقاذ نحو 3000 من النساء الإيزيديات اللواتي مازلن في الأسر. وتبدي منظمة مراد قلقها من عدم قيام المجتمع الدولي باتخاذ الخطوات المناسبة لمنع أعمال القتل التي يتعرض لها الإيزيديون، بحيث يندثر اسمهم من المنطقة. وقالت الإيزيدية التي تعيش في الجبال حالياً مورات إلياس: «مراد كانت الشخص الأول الذي يتحدث علناً، كما أنها شجاعة وتتحدث عما حدث لنا. والأمر الأكثر أهمية الذي يمكنها القيام به الآن لمساعدتنا هو في استعادة الأسرى الإيزيديين، والمساعدة على تطهير أرضنا».

وفي أكتوبر الماضي، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستقدم نحو 178 مليون دولار لدعم المجتمعات الضعيفة في العراق، وستركز على الأقليات الدينية، بحيث يصل إجمالي المساعدات المالية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى المجتمعات الضعيفة إلى 300 مليون دولار منذ العام المالي 2017، وفق وزارة الخارجية. ولكن على الرغم من هذا الدعم، إلا أن إعادة الإعمار في سنجار بطيئة، كما أن المجتمع الإيزيدي المتشكك لايزال مرعوباً من العودة إلى أرضه خوفاً من استهدافه مرة أخرى.

وتتناثر مخلفات «داعش» في شوارع المدينة المتهالكة، مذكرة بالحكم الوحشي لهذا التنظيم المتطرف، في حين أن ثمة تعهدات حديثة بالولاء لـ«داعش» تواصل الظهور وكأنها تذكير دائم بأن الخلايا النائمة القريبة تكمن في الظلام. وظهرت كلمات على جدار منزل مجاور تقول «(داعش) سيبقى إلى الأبد»، وكان قد كتبها صبي في الـ12 من عمره، وفق ما ذكره الجيران. وقال الإيزيدي الذي يعيش في سنجار، قاسم مورات: «أعتقد أن (داعش) سيعود، إنه أيديولوجية ولا يمكن التخلص منه بالقتل».

• لايزال الآلاف من الإيزيديين الذين هربوا من بيوتهم قبل أربع سنوات، يشعرون بالقلق وعدم الاقتناع بما يقال لهم، في الوقت الذي لاتزال الذكريات المؤلمة لما تعرّضوا له من «داعش» ماثلة في أذهانهم، حيث تخلّت عنهم القوات العراقية والكردية.

• تتناثر مخلّفات «داعش» في شوارع مدينة سنجار المتهالكة، مذكّرةً بالحكم الوحشي لهذا التنظيم المتطرف، في حين أن ثمة تعهدات حديثة بالولاء لـ«داعش» تواصل الظهور وكأنها تذكير دائم بأن الخلايا النائمة القريبة تكمن في الظلام.

طباعة