تهدف إلى عرقلة استعدادات الحكومة للانتخابات البرلمانية

«طالبان» تصعّد هجماتها في أفغانستان لتعزيز موقعها التفاوضي

صورة

اتجهت حركة «طالبان» الأفغانية إلى تصعيد هجماتها الإرهابية داخل البلاد، خلال الفترة الأخيرة، والتي ركزت فيها على استهداف القوات الحكومية، على غرار الهجوم الأخير الذي شنته على مواقع تابعة للجيش في إقليم بغلان بشمال أفغانستان الأربعاء الماضي، ما أسفر عن مقتل ما يصل إلى 44 من أفراد الجيش والشرطة، في إطار هجمات متتالية وقعت منذ مطلع الشهر الجاري.

واللافت في هذا السياق أن هذه الهجمات نفذت عقب إعلان الحركة، في 17 يوليو الماضي، قبولها إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة. كما أنها تتوازى مع محادثات عقدها وفد من المكتب السياسي للحركة مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأوزبكية، خلال زيارة قام بها إلى العاصمة طشقند، في الفترة من 6 إلى 10 أغسطس الجاري، حيث كانت جهود مواصلة عملية السلام والدور الذي يمكن أن تقوم به دول الجوار لدعمها المحور الأساسي في المحادثات، وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول أسباب إصرار الحركة على توسيع نطاق عملياتها، خلال الفترة الحالية.

وفي الوقت الذي كانت تتوقع جهات مختلفة تراجع حدة الهجمات الإرهابية في أفغانستان، خلال الفترة المقبلة، بعد إعلان بعض المسؤولين الأميركيين إلى جانب حركة «طالبان» عن احتمال الدخول في مفاوضات، على اعتبار أن ذلك ربما يمثل، وفقاً لرؤيتها، الخطوة الأولى نحو تعزيز الاستقرار في أفغانستان، شنت الحركة هجمات إرهابية في عدد من الولايات المختلفة، مثل هجومها على مدينة غزني في 10 أغسطس الجاري، الذي مكّن عناصرها من السيطرة على معظم أنحائها، بعد أن قتل ما يقرب من 100 فرد على الأقل من قوات الأمن الأفغانية، و30 مدنياً، ونحو 200 مسلح من الحركة.

كما سيطر عناصرها على قاعدة «شينايا» العسكرية شمال أفغانستان، التي تقع في منطقة غورماش بولاية فرياب، في 14 من الشهر ذاته، ما أدى إلى مقتل 14 جندياً. وهاجمت الحركة أيضاً عدداً من المراكز الأمنية في ولاية وردك جنوب العاصمة كابول، ما أسفر عن مقتل ثمانية جنود وإصابة عدد آخر كان منهم قائد القوات الحكومية في المنطقة.

ويمكن تفسير تعمد حركة «طالبان» تصعيد هجماتها الإرهابية، خلال تلك المرحلة، بعد إبداء استعدادها للتفاوض مع واشنطن في وقت سابق وإجراء محادثات في طشقند، في ضوء اعتبارات عدة أبرزها أربعة اعتبارات:

أولاً: تعزيز الموقع التفاوضي، حيث يبدو أن الحركة تسعى من خلال عملياتها الإرهابية الأخيرة إلى تعزيز موقعها التفاوضي، في حالة اتخاذ خطوات إجرائية لعقد مفاوضات مع بعض المسؤولين الأميركيين خلال المرحلة المقبلة، وتشير اتجاهات عدة إلى أن الحركة تهدف من خلال ذلك إلى رفع سقف مطالبها من واشنطن، وتعزيز فرص حصولها على مكاسب سياسية خلال المرحلة المقبلة.

ثانياً: ضغوط معارضي التفاوض، حيث تسعى «طالبان» إلى تقليص حدة المخاوف التي أبداها أحد الاتجاهات داخلها من التداعيات المحتملة، التي قد تفرضها الموافقة على إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق باحتمال اتجاه الحركة، بناءً على تلك المفاوضات، إلى وقف عملياتها الإرهابية ضد بعض الأهداف، خصوصاً المواقع التي توجد فيها القوات الدولية.

وتحاول الحركة، من خلال ذلك، تجنب احتمال اتساع نطاق الانشقاقات داخلها، حيث إن هذا المسار قد يدفع بعض كوادرها إلى رفض الاستجابة لتعليمات قادتها.

ثالثاً: توجيه رسائل، فرغم النشاط المتصاعد لما يسمى «ولاية خراسان» في أفغانستان التابع لتنظيم «داعش»، والذي يحاول توسيع نطاق انتشاره جغرافياً داخل البلاد، بشكل أدى إلى تدفق عدد من عناصر «داعش» للانضمام إليه بعد الهزائم التي تعرض لها التنظيم في المناطق التي سيطر عليها في المرحلة الماضية، إلا أن «طالبان» لاتزال ترى أنها التنظيم الأقوى داخل أفغانستان، وهو ما حاولت التركيز عليه من خلال العمليات الأخيرة، التي سعت عبرها إلى توجيه رسائل إلى التنظيمات الإرهابية الأخرى بأنها لاتزال لديها القدرة على تكريس نفوذها داخل خريطة تلك التنظيمات.

رابعاً: عرقلة جهود الحكومة، خصوصاً أن الهجمات الأخيرة تتوازى مع استعدادات الحكومة لإجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2018، وهو ما حاولت عبره الحركة تأكيد أن الخطوات التي تتخذها الحكومة لن تسهم في تعزيز الاستقرار على المستويين الأمني والسياسي داخل الدولة خلال المرحلة المقبلة، بشكل يمكن أن يؤدي إلى تصاعد حدة الانتقادات التي تواجهها الأخيرة من جانب قوى وتيارات عدة، تبدي تحفظات مختلفة إزاء الإجراءات التي تتخذها على المستويات المختلفة.

واللافت في هذا السياق أن تقارير عدة، ربطت بين تعمد الحركة عرقلة الجهود التي تبذلها الحكومة، وبين قيام مفوضية الانتخابات البرلمانية باستبعاد 35 مرشحاً من التنافس، بعد ثبوت ارتباطهم ببعض الجماعات المسلحة.

من هنا، يمكن القول إن الجهود التي تبذلها أطراف عدة، من أجل الوصول إلى تسوية للأزمة السياسية والأمنية في أفغانستان، خلال المرحلة المقبلة، تواجه تحديات لا تبدو هينة، لاسيما التي ترتبط بالتداعيات التي يمكن أن تتمخض عنها أية مفاوضات محتملة مع «طالبان»، في ظل فشل الحركة في تبني موقف محدد وواضح إزاء تلك المفاوضات والنتائج التي يمكن أن تسفر عنها، وإصرارها على عدم التوقف عن تنفيذ عمليات إرهابية جديدة لدعم فرص إجرائها، ما يوحي في النهاية بأن أفغانستان تبدو مقبلة على استحقاقات صعبة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية.


«طالبان» لاتزال ترى أنها التنظيم الأقوى داخل أفغانستان، وهو ما حاولت التركيز عليه من خلال العمليات الأخيرة.

«طالبان» تسعى إلى تقليص حدة المخاوف التي أبداها أحد الاتجاهات داخلها من التداعيات المحتملة التي قد تفرضها الموافقة على إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة.