بسبب تردد الإدارة الأميركية في دعم إعادة إعمار سورية

روسيا وإيران تمارسان نفوذاً أكبر بالمنطقة في فترة ما بعد الحرب

صورة

في الوقت الذي تهدئ قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من وتيرتها القتالية ضد تنظيم «داعش» شمال شرق سورية، يحذر المحللون من أن تردد واشنطن في تخصيص موارد لإرساء الاستقرار في المنطقة قد يسمح لروسيا وإيران بممارسة نفوذ أكبر على البلاد. وتقترب قوات التحالف من آخر معقل لمقاتلي «داعش» في بلدة حجين بالقرب من الحدود العراقية، ما ينذر بهزيمة مؤكدة لهذه الجماعات، وسيكون التحدي التالي هو توفير الغذاء والخدمات للمدنيين، وإزالة الألغام من المدن، وإعادة ملايين اللاجئين إلى وطنهم، وإعادة فرض سيادة القانون في مناطق واسعة من البلاد،إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أشار إلى أن الولايات المتحدة لن تلعب دوراً واسعاً في إعادة إعمار سورية. وكان ترامب أمر وزارة الخارجية في وقت سابق من هذا العام بتجميد نحو 200 مليون دولار من الأموال المخصصة لإعمار سورية، وفشل «الكونغرس» في إدراج بند بمشروع قانون السياسة الدفاعية لهذا العام مدعوم من الكونغرس، كان من شأنه أن يمنح وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) 25 مليون دولار سنوياً، ومزيداً من السلطة لدعم جهود تحقيق الاستقرار هناك.

ويقول الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والدولية، ويل تودمان: «هناك عدد قليل من الأشخاص الذين يستطيعون المساعدة على تحقيق الاستقرار». ويضيف أن «المساعدة على إعادة الاستقرار من شأنها أن تساعد على منع العودة إلى الظروف نفسها التي أدت إلى ظهور (داعش)، كما ستمنح الولايات المتحدة مقعداً على الطاولة وربما رأياً أثقل وزناً حول مستقبل سورية». ويعتقد تودمان أن عدم رغبة ترامب في المشاركة في إعادة الإعمار سيترك للولايات المتحدة «نفوذاً ضئيلاً جداً في سورية».

وتبلغ الكلفة المقدرة لإعادة بناء سورية أكثر من 250 مليار دولار، وفقاً للأمم المتحدة، وهناك 13.1 مليون سوري محتاجون للمساعدة، منهم 6.6 ملايين نازح داخل البلاد، وفر 5.6 ملايين آخرين من سورية منذ عام 2011، بحثاً عن الأمان في لبنان وتركيا والأردن ودول أخرى.

لكن خبراء آخرين يجادلون بأنه لكي يكون لها أي دور مهم في سورية، فإن الولايات المتحدة يجب أن توفر المزيد من الموارد والقوات بشكل أكبر من دون أن تتوقع حصولها على الكثير في المقابل.

ويقول مدير «مركز دوغلاس وسارة أليسون» للسياسة الخارجية في مؤسسة هيرتدج، لوقا كوفي: «عندما يتعلق الأمر بوضع الأحذية على الأرض وتعريض حياة الأميركيين للخطر عليك أن تسأل: ما الفائدة الاستراتيجية التي ستجنيها الولايات المتحدة؟». وكما يرى كوفي، فإن لدى الولايات المتحدة نفوذاً محدوداً فقط في قطعة صغيرة من سورية، في الشمال الشرقي، حيث تعمل قوات سورية الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة (تتكون الجماعة في الغالب من الأكراد السوريين والمقاتلين العرب). وتشارك تركيا بشكل كبير في الشمال الغربي بالقرب من محافظة إدلب، بينما تهيمن القوات الحكومية السورية والروسية على بقية البلاد.

ويعتقد تودمان أنه من غير الواضح المزايا التي ستجنيها روسيا وإيران من خلال تعزيز قبضتهما على سورية، ويقول: «لقد عصفت سنوات الصراع بالبلاد، وليس لدى روسيا أو إيران الموارد أو الإرادة لتمويل إعادة الإعمار بمفردهما». ويضيف أن «إعادة الإعمار هي أساساً وسيلة لمكافأة الرئيس السوري بشار الأسد على الرغم من أن الولايات المتحدة دأبت على المطالبة بإسقاطه منذ بداية الصراع». ويرى أن «أي مساعدة تقدمها الولايات المتحدة في هذا الشأن ستساعد أيضاً على جعل سورية رصيداً استراتيجياً أكثر قيمة للأعداء مثل روسيا وإيران». وتراجع إدارة ترامب حالياً دور الولايات المتحدة في أنشطة تثبيت الاستقرار في المنطقة في هذه الأيام، وفقاً لأحد موظفي لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي.

وتقول الزميلة بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ونائب مدير برنامج الأمن الدولي لمركز الأبحاث، ميليسا دالتون: «إن القلق بشأن دور وزارة الدفاع في تحقيق الاستقرار ينبع جزئياً من تجربة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان»، ووفقاً لدالتون «هناك قلق مستمر بشأن تباطؤ المهمة الأميركية. لقد كان هناك سجل حافل لوزارة الدفاع في القيام بمهام استقرار أوسع نطاقاً، ومن سوء الحظ لم نرَ نتائج استقرار فعلي».

ويقول كوفي إنه بمجرد أن يسحب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة قواته القليلة المتبقية في شمال شرق سورية، فإن عبء إعادة البناء من المرجح أن يقع على عاتق الحكومات المحلية والنظام السوري والقوى الديمقراطية السورية. ومن المرجح أن تقوم قوات سورية الديمقراطية بالتوسط في صفقة مع الرئيس السوري حول كيفية حكم الجزء الشرقي من البلاد، وفقاً لدالتون. لكن كلما تنازلت الولايات المتحدة عن دورها القيادي في تنظيم هذه الصفقة، قل تأثيرها على الأسد وحلفائه، إيران وروسيا. وتقول دالتون: «الحقيقة البغيضة هي أن الأسد انتصر في هذه الحرب الأهلية».

اتصالات عسكرية روسية أميركية

في تقرير حديث حملته وسائل الإعلام استخدمت روسيا قنوات اتصال بحذر شديد مع قيادة القوات الأميركية العليا من أجل التعاون في إعادة إعمار سورية، وإعادة اللاجئين إلى البلاد التي مزقتها الحرب، وفقاً لمذكرة مرسلة للحكومة الأميركية. وأرسل هذا المقترح في 19 يوليو الماضي رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي فاليري غيراسيموف، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركي الجنرال جوزيف دانفورد.

وحظيت الخطة الروسية التي لم يتم الإبلاغ عنها من قبل، باستقبال حسن من واشنطن. ويعكس الاقتراح كيف أن روسيا، بعد أن ساعدت على تحويل مسار الحرب لمصلحة الأسد، تضغط في الوقت الراهن على واشنطن وغيرها من أجل المساعدة على إعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرتها، ومن المحتمل أن يساعد هذا الجهد الأسد على الاحتفاظ بالسلطة. وبحسب المذكرة، التي حددت أن الاقتراح يتعلق بالمناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، فإن الاقتراح «يوضح أن النظام السوري يفتقر إلى المعدات والوقود والمواد الأخرى، والتمويل اللازم لإعادة بناء البلاد من أجل استقبال اللاجئين».

وتبنت الولايات المتحدة في 2011 سياسة تفيد بأن الأسد يجب أن يتخلى عن السلطة، لكنها بعد ذلك ظلت تراقب الوضع من بعيد وهي تشاهد كلاً من إيران وروسيا تقدمان الدعم للأسد ولم تفعل شيئاً حيال ذلك.

وتعكس هذه الاتصالات حالة نادرة من التعاون العسكري بين موسكو وواشنطن، وهي حالة سعى دانفورد للحفاظ عليها سراً. وأكد دانفورد، الذي يتحدث بين الفينة والأخرى مع غيراسيموف، أن الجيشين بحاجة إلى أن يكون لديهما اتصالات صريحة وخاصة لتجنب سوء الفهم الذي قد يؤدي إلى مواجهة مسلحة. ولكن لم يتضح بعد كيف تتلاءم إعادة الإعمار واللاجئين مع هذه الاتصالات العسكرية. وتشير رسالة غيراسيموف إلى أن موسكو تستخدم القناة أيضاً لبحث المسائل غير العسكرية.

وأشارت المذكرة الروسية إلى أن الاقتراح المقدم إلى دانفورد أوصى بأن تعيد الولايات المتحدة وروسيا والأردن إنشاء مركز يهدف إلى مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2017، «وتشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ خطة إعادة البناء وإعادة اللاجئين». ويستضيف الأردن أكثر من 650 ألف لاجئ سوري. وتشير المذكرة الروسية أيضاً إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تشكلان مجموعة مشتركة لتمويل إعادة إعمار البنية التحتية في سورية.


محادثات حول إعادة اللاجئين السوريين

ناقش الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره فلاديمير بوتين المسألة السورية وقضية اللاجئين في قمتهما في 16 يوليو بهلسنكي. وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إن المحادثات ركزت على «كيفية إعادة اللاجئين»، لكن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أكد الأسبوع الماضي أنه لم تطرأ أي تغييرات على السياسة منذ انعقاد القمة. وأكدت الحكومة الأميركية بوضوح أن الاقتراح الروسي لإعادة اللاجئين السوريين لم يكن «نتيجة» لمحادثات ترامب - بوتين، لكن ماتيس حذر من أن المسؤولين الروس يحاولون عرضه بشكل مختلف. وقالت روسيا في مذكرتها حول إعادة اللاجئين، إن «الدبلوماسيين الروس ومسؤولين آخرين سيشاركون أيضاً في حملة قوية لعرض المبادرة في عواصم أخرى، ولإيضاح أنها نتيجة للاجتماع بين الولايات المتحدة وروسيا في هلسنكي، لكنها ليست كذلك».

250

مليار دولار الكلفة المقدرة لإعادة بناء سورية، وفقاً للأمم المتحدة.

13

مليون سوري محتاجون للمساعدة، منهم 6.6 ملايين نازح داخل البلاد، والبقية فروا من سورية منذ عام 2011 بحثاً عن الأمان.