مرحلة فرض واشنطن قواعد اللعبة ولّت

الحرب السورية انتهت.. وأميركا خسرتها

صورة

في بداية الشهر الجاري، رفعت قوات النظام السوري رايتها فوق مدينة درعا في جنوب سورية واحتفلت بانتصارها. وعلى الرغم من أنه لايزال هناك الكثير من سفك الدماء الذي سياتي لاحقاً، فإن رمزية هذا الانتصار لا يمكن تجاهلها، إذ إن الانتفاضة التي بدأت من هذه المدينة في 6 مارس 2011، تم في نهاية المطاف سحقها، كما أن الحرب الأهلية التي انتشرت في شتى أنحاء الدولة، وأدت إلى زعزعة الاستقرار في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا أيضاً، ستنتهي عاجلاً أم آجلاً. والرئيس السوري بشار الأسد الذي كان من المفروض أن ينهار نظامه قد انتصر على الشعب السوري بمساعدة من روسيا وإيران وحزب الله.

ويبدو أن واشنطن مشغولة للغاية بفكرة أن الشعب السوري نقص تعداده الآن نحو نصف مليون نسمة، عما كان عليه قبل بدء الثورة السورية، عندما كتب أطفال على جدران مبنى في مدينة درعا «الشعب يريد إسقاط النظام» ولكن الآن وبعد أن تحدد مصير الصراع السوري، من الجدير التفكير بهدف ومكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. والترتيبات الأولى التي ينبغي القيام بها هي التخلص من المبادئ والأفكار التي طالما كانت قديماً جوهر السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأسهمت في شل حركتها وتخبطها في سورية والمنطقة.

ربما أنه ليس هناك أي شخص في الحكومة الأميركية لم يتم إبلاغه خلال فترة سيرته المهنية عن مخاطر التفكير بشأن مقارنة الأحداث ببعضها بعضاً. لقد حدثت الانتفاضة السورية في توقيت بدأت «الدعوات للحرية» تنطلق في كل مكان في الشرق الأوسط. وحدثت التظاهرات في سورية بعد وقت قصير من سقوط النظامين التونسي والمصري، حيث خيمت على أحكام الدبلوماسين وصناع القرار والمحللين والصحافيين، ما جعلهم غير قادرين على تمييز الاختلافات بين أنظمة المنطقة أو بين هيكلية النظام السوري ونظام الحكم المصري.

استراتيجية واضحة

ونظراً إلى أن مجتمع السياسة الأميركي لم يتوقع أن يستمر الرئيس السوري في الحكم، فقد فوجئوا عندما عمد الرئيس السوري إلى اتباع استراتيجيته الواضحة تماماً والمتمثلة في تسليح الانتفاضة. ومع مرور الوقت ونتيجة تصارع المجموعات المسلحة والمتشددة في سورية، إضافة إلى تدخل روسيا بات من الصعب تحديد المصالح الأميركية في الصراع، ما دفع واشنطن إلى إدانة سفك الدماء، وأرسلت المساعدات إلى اللاجئين وقصفت تنظيم «داعش» بيد أنها بقيت خارج الحرب الأهلية السورية. وكي لا يعتقد أي شخص أن الابتعاد عن الصراع السوري هو سياسة خاصة بالرئيس باراك أوباما، فإن خلفه دونالد ترامب لم يختلف عنه كثيراً في سورية، باستثناء أن ترامب كان صريحاً في خروجه من سورية، وتركها لموسكو بعد تدمير «داعش». وعلى الرغم من استمرار تكدس جثث القتلى في سورية فإن كل ما استطاعت فعله واشنطن هو الإعراب عن قلقها لما يحدث. وبالطبع فإن سورية تختلف عن رواندا ودارفور وسيربرينتشا، ولكنها حالة شهدت قتلى بأعداد هائلة ما جعل واشنطن في حالة شلل.

والعديد من المحللين وصانعي السياسة، الذين فضلوا بقاء دور الولايات المتحدة بعيداً، أو تقليله إلى أدنى حد في سورية، فعلوا ذلك عن صدق نية. ونظروا إلى غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 وما نجم عنه من زعزعة لاستقرار المنطقة، وتعزيز مكانة إيران وتدمير العلاقات مع حلفاء واشنطن وتأجيج عنف المتطرفين، وتقويض مكانة الولايات المتحدة في المنطقة. ويبدو أنه فات على تلك المجموعة من المحللين أن عدم اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات في سورية أدى إلى نتائج سيئة كالتي ذكرت سابقاً، فقد أسهم عدم تدخل الولايات المتحدة في زعزعة استقرار المنطقة، وتعزيز سلطة إيران، والإساءة للعلاقات مع أصدقائها في المنطقة، وتعزيز قوة المجموعات الإرهابية. وربما كان البقاء على الحياد في سورية سياسة جيدة، لكن ذلك كلف واشنطن مكانتها كلها في الشرق الأوسط.

تنازل عن النفوذ

ويبدو أن واشنطن تنازلت عن نفوذها في الشرق الأوسط. وربما يكون ذلك إيجابياً، إذ لا أحد يريد تكرار ما حدث في العراق مرة ثانية. وتقدمت موسكو لتسد الفراغ الذي خلفته واشنطن إثر ابتعادها عن الشرق الأوسط وأحداثه. وقدمت روسيا نفسها باعتبارها الشريك الأكفأ والأفضل لدول الشرق الأوسط. ولم يكن هناك الكثير من المتقبلين لروسيا باستثناء سورية، لكن كان هناك الكثير من الاهتمام، حيث يرجع كل ذلك إلى الصراع في سورية.

ومقارنة مع الطريقة التي جاء بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنقاذ أحد حلفائه، وهو الأسد، من أزمته، والطريقة التي يرى بها حلفاء واشنطن كيف قام الرئيس باراك أوباما بدفع حليفه الرئيس حسني مبارك عن السلطة، بعد 30 عاماً قدم خلالها الكثير من الخدمات لواشنطن. لكن بوتين أنقذ حليفه من السقوط وجعله يحقق النصر على أعدائه. وأصبحت سورية الآن مركزاً ومحوراً لاستراتيجية روسيا في إعادة تقديم نفسها باعتبارها قوة عظمى عالمية، وإعادة فرض نفوذها في الشرق الأوسط.

ولايزال حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط ينظرون إليها باعتبارها مصدر القيادة، ولكنهم باتوا ينشدون مساعدة الكرملين من أجل تحقيق مصالحهم. وأصبح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو زائراً مألوفاً في موسكو، كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الإيراني حسن روحاني شريكان في سورية، وقام عدد من قادة دول الخليج العربي بزيارات إلى موسكو أيضاً. ويبدو أن المرحلة التي كانت تفرض فيها الولايات المتحدة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، والتي استمرت لمدة 25 عاماً قد انتهت الآن.

ازدواجية

وفي نهاية المطاف، يكشف الوضع في سورية عن ازدواجية عميقة يتعامل بها الأميركيون في الشرق الأوسط، وتناقص أهمية ما كان يعتبره المسؤولون الأميركيون مصالح أميركية في تلك المنطقة مثل النفط، وإسرائيل والنفوذ الأميركي على المنطقة. ويتساءل الأميركيون: لماذا تنتشر القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، إذا كانت الولايات المتحدة سعيدة بكونها أكبر منتج للنفط في العالم. وبعد حربين غير حاسمتين استغرقتا 17 عاماً، لا يمكن لأحد أن يقدم للأميركيين سبباً مقنعاً بأن نظام الأسد هو مشكلتهم. وعلى الرغم من أن إسرائيل تحظى بالشعبية في أميركا، فإنه بعد مرور 70 عاماً على تأسيسها أثبتت أنها قادرة على حماية نفسها. وحكم أوباما وترامب استناداً إلى فكرة تقليل النفقات، وحققا النجاح.

والآن، وبعد أن ثبت انتصار طرف الأسد وبوتين وخامنئي على المعارضة، ثمة فرصة للأميركيين للنقاش حول أسباب أهمية الشرق الأوسط، إن وجدت. لكن ذلك لن يكون سهلاً. والكونغرس الذي يقوم بالاستقطاب بات مشلولاً، وأسلوب إدارة ترامب في المنطقة يحدده الرئيس نفسه. وقد واصل سياسة إدارة أوباما المتمثلة في محاربة المجموعات المتطرفة، ولكنه اختلف عن سلفه من الرؤساء في أنه عمد إلى نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس. وخرق ترامب الاتفاقية الإيرانية، على الرغم من أنه لم يفعل الكثير بشأن إيران أكثر من مجرد التهديد الكلامي. وهو يريد مغادرة سورية «في أسرع وقت»، على الرغم من أن مستشاره للأمن القومي يتعهد بالبقاء في سورية، طالما بقيت إيران فيها.

ونتيجة كل هذا التشوش، فإن الوقت مناسب للنقاش حول أهمية الشرق الأوسط. وثمة حجة مقنعة مفادها أن المصالح الأميركية تتطلب دوراً أميركياً نشطاً في المنطقة، وهناك حجة تتسم بالقدر نفسه من الإقناع مفادها أن أهداف الولايات المتحدة يمكن ضمانها دون الانخراط في الحروب، أو مشروعات الهندسة الاجتماعية، وعمليات السلام، والاجتماعات في جنيف. وفي ما بين الحجتين تبدو السياسة الأميركية في الشرق الأوسط متناقضة وقاصرة. وفي ظل كل هذه الظروف ستواصل سورية وروسيا وإيران تحقيق الانتصارات.


بوتين أنقذ حليفه السوري من السقوط.. وجعله يحقق النصر على أعدائه.

لايزال حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط ينظرون إليها باعتبارها مصدر القيادة، لكنهم باتوا ينشدون مساعدة الكرملين من أجل تحقيق مصالحهم.

يكشف الوضع في سورية عن ازدواجية عميقة يتعامل بها الأميركيون في الشرق الأوسط، وتناقص أهمية ما كان يعتبره المسؤولون الأميركيون مصالح أميركية في تلك المنطقة مثل النفط، وإسرائيل والنفوذ الأميركي على المنطقة.