الاحتلال يسبب الأذى للفلسطينيين وللمحتل أيضاً.. والحل من تجربتي جنوب إفريقيا وأيرلندا الشمالية

مفاوضات السلام تتأرجح بين التــفاؤل والتشاؤم من دون حسم

صورة

تحدث وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في منتدى دافوس الاقتصادي عن الحاجة إلى «حل المشكلة المستعصية» بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ويبدو أن كلمة «مستعصية» كبيرة لأنها توحي بأن المشكلة لا يمكن حلها بينما الواقع غير ذلك، ولكن حل الدولتين لم يحظ بالدعم المتواصل كما يقول السياسي الاميركي بيتر باينرت، في كتابه «الأزمة الصهيونية».

فبعد أوسلو تراجع التفاؤل الذي جلبته هذه العملية نحو الانتفاضة الثانية والصراع مع قطاع غزة. وحتى الآن فإن الرأي العام على طرفي نقيض لدى كلا الطرفين المتصارعين، مع وجود رغبة لدى القيادتين لاستئناف المفاوضات على المستوطنات، على الرغم من عدم وجود قناعة كبيرة بقدرتهما على تحقيق شيء. وهذا ليس غربياً، لأن السياسة، خصوصاً سياسة مفاوضات السلام، تتأرجح باستمرار بين التفاؤل والتشاؤم. وبالنسبة للأول (التفاؤل)، فإن امكانية التغيير تتعزز من خلال التوقعات، في حين أن الثاني تتميز بالركود.

ويتمحور السؤال في هذه الجولة الاخيرة من المفاوضات، حول ما إذا كانت ستمنح ما يكفي من الحماس لكلا الطرفين من أجل عملية السلام. ونظراً إلى قيام رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، بإعاقة التوصل نحو حل الدولتين، فإن ذلك جعله مصدر تشاؤم لعملية السلام بحد ذاتها. وكان يمكن القول بأن الوضع سيكون واضحاً لو أن هذه هي الصورة برمتها. ولكنها ليست كذلك، لأن اسرائيل المتشائمة تتواجد جنباً إلى جنب مع إسرائيل إخرى تريد أن تكون طبيعية أكثر، والتي ترى هاجس الأمن والحفاظ على الاحتلال للضفة الغربية ينطويان على مخاطر على حقوقها، وهي ذاتها التي تريد أن تكون مفتوحة على عالم التجارة والاعمال.

ولم يكن رجال الاعمال الذين يناهز عددهم نحو 100 والذين ناشدو نتنياهو في دافوس للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين أو مواجهة تهديد متزايد للعقوبات، من ممثلي الناخبين الهامشيين. فهم يدركون، وكذلك نتنياهو، الخطر المتزايد والناجم عن حركة تصفية الاستثمارات من الشركات الاسرائيلية، خصوصاً تلك التي لديها مصالح في المناطق المحتلة.

وتأتي هذه الحركة بعد نموذج من العقوبات التي فرضت في جنوب افريقيا، واقتصرت في البداية على الأكاديميين والنشطاء، لتمتد إلى الكنائس، لتصل الآن إلى عالم الأعمال. ولكن يرى المرء أنه ثمة نقص في الحقوق المدنية الفلسطينية في المناطق المحتلة، حيث يتم فرض القانون والحقوق بصورة متفاوتة استنادا إلى الهوية التي يحملونها، وهو الأمر الذي أصبح مسيئا لسمعة اسرائيل في الخارج. وعلى هذه الخلفية اتخذ أكبر صندوق للمتقاعدين في هولندا المعروف باسم «بي جي جي ام» قراراً بقطع علاقاته بالمصارف الاسرائيلية، ليشكل مؤشراً على التقدم الذي تحرزه الحركة.

وقد قلل جميع الرافضين لنتنياهو، بما فيهم الدبلوماسيين الاميركيين الذين اعتقدوا أنه كان يمثل عقبة، من قيمة موهبته، باعتباره سياسي مراوغ، في صنع شراكات براغماتية لإعاقة حدوث تقدم في عملية السلام. كما أنه كان بارعاً في تشكيل مركبات القلق في قصة واحدة تحمل مناشدة عريضة واحدة تهدف إلى بقائه في السلطة. وفي عهد نتنياهو أصبح انتقاد اسرائيل يعادل «نزع الشرعية» عنها، وأصبح النداء من أجل الامن يعادل عدم الثقة في ما يصدر عن الفلسطينيين والذين ينبغي فضحه باستمرار.

ولكن إذا كانت هذه الصيغة لقيت النجاح خلال السنوات الست الماضية من إدارة أوباما، فثمة أدلة على أن تأثيرها بدأ يضعف. ويبدو أن نتنياهو، الذين استند إلى سياسة تجعله على مسافة من الرئيس الاميركي باراك أوباما، قد استخدم معظم أسلحته التي يمتلكها. إذ أن التهديد بالحرب ضد إيران تراجع كثيرا بعد الاتفاق النووي بين ايران والعالم الغربي. وكان إعلان اوباما خلال خطاب حالة الاتحاد الاسبوع الماضي بانه سيستخدم الفيتو ضد اي محاولة من قبل الكونغرس لفرض عقوبات على ايران، يمثل اشارة إلى ان اللعبة ربما قد تغيرت. وتلازم ذلك مع تجديد والتزام انخراط وزير الخارجية الاميركي جون كيري، الاكثر كفاءة و قدرة من الوزيرة السابقة هيلاري كلينتون.

ويجد نتنياهو نفسه مكشوفا بصورة متزايدة في السياسة الاسرائيلية ايضا. اذ ان الاستنكار الذي تعرض له من قبل شريكه في الحكم ووزير الاقتصاد نفتالي بينيت لأنه لمح في مؤتمر دافوس، إلى ان المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية يمكن تظل كأقلية تحت سيادة الدولة الفلسطينية المستقبلية، لا يهدد مستقبل الائتلاف فحسب وانما يكشف عن انها دعوة للفلسطينيين لرفض الفكرة برمتها.

وتحت الضغط الأميركي، أصبح حلفاء نتنياهو مع الأحزاب الداعمة للاستيطان والشخصيات التي نادت بضم مناطق كبيرة من الضفة الغربية وترحيل السكان، اصبحوا جميعاً صعبي المراس وأكثر عدوانية، وانكفأ المتنافسون إلى مواقع ناخبيهم من الأقليات. لتصبح نقاط التوتر والاجهاد واضحة للعيان.

ولكن ثمة شيء لم يتغير وهو شعبية نتنياهو. فحسب معظم استطلاعات الرأي الاسرائيلية فإن الرجل يحتفظ بدرجة كبيرة من الشعبية،على الرغم من خسارته الناخبين من اليمينيين و حصوله على دعم اليساريين والوسط، وأصبحت نسبية شعبيته 51%. وبالنظر إلى مقتضيات السياسة المحيطة بعملية السلام في الشرق الاوسط، فإن الأحمق فقط هو الذي يمكن أن يتوقع النتيجة، إذ أن 10% من الدبلوماسيين في واشنطن يعتقدون أن ثمة فرصة للتوصل إلى اتفاق على وثيقة الإطار مع شهر ابريل، وهي نهاية الفترة المحددة لهذه المفاوضات. ولكن بعد سنوات طويلة وتوقف المفاوضات، ثمة تلميح إلى أن الصفائح التكتونية ربما تتحرك مرة ثانية. ولكن احتمال تغيير موقف رئيس وزراء اسرائيل الذي استقال من الحكومة بسبب الانسحاب من مستوطنات غزة، والذي تعهد في السابق بالتمسك بالضفة الغربية إلى أطول حد ممكن، يعتبر مسألة أكثر صعوبة .

ولكن دروس نظام الفصل العنصري «الأبارتهايد» في جنوب افريقيا ومشكلات إيرلندا الشمالية، تفيد بأن المشكلات المستعصية يمكن أن تصل إلى حل عادل في نهاية المطاف. وإذا كان لابد من حل سريع لهذه القضية الملتهبة، فإن ذلك يرجع إلى إنها قضية ضاغطة على المصلحة الذاتية، لأن الاحتلال لا يسبب الاذى للمحتلين فحسب، وإنما للمحتل أيضاً.

طباعة