الجيش المصري قد يُحكم قبضته على السلطة

الشرطة العسكرية سيطرت على الجموع وأخلت ميدان التحرير من دون سلاح. غيتي

بعد يومين من نجاح الثورة المصرية المليونية في الاطاحة بنظام الرئيس حسني مبارك أحكم الجيش المصري - الذي يقوده صديق مبارك القديم المشير محمد طنطاوي - سلطاته بشكل اكبر الاحد الماضي، إذ حلّ البرلمان وعلّق العمل بالدستور. وفي الوقت الذي اقدم الجيش فيه على هذه الخطوة اكد رئيس الوزراء احمد شفيق الذي عيّنه مبارك، للمصريين ان اولى اولوياته هي «السلام والأمن» لمنع انتشار «الفوضى والقلاقل»، وهي العبارة نفسها التي كان يرددها الرئيس المخلوع، فهل ينطلق هذا الوضع على المثل الفرنسي القائل: «كلما جرى تغيير فإنه يظل على نفس الحال والمنوال»؟.

في سعيها الحثيث الى الوفاء بتعهدات «المجلس العسكري» التي تتمثل في اعادة القاهرة الى وضعها الطبيعي ظهر مئات الجنود من الشرطة العسكرية في ميدان التحرير، معظمهم غير مسلح، لحث من تبقى من المتظاهرين على مغادرة اماكنهم التي احتلوها لـ20 يوماً. في البداية رحبت بهم الجموع بوصفهم اصدقاء وقدمت اليهم الطعام والماء، وبدأت الشرطة العسكرية في قبعاتها الحمراء ومن دون سلاح في السيطرة على الجموع، الا ان المفاجأة جاءت من ضابط شاب اخذ يضرب الجماهير بعصا، وهي تلك العادة القديمة المتأصلة في العسكر التي يتوارثها الجنود كابراً عن كابر - وللحظة بدا وكأن هناك عرضا مصغرا للتنفيس عن الغضب الذي اعترى شرطة امن الدولة في 28 يناير الماضي (جمعة الغضب).

ويعكس هذا السلوك قلقا شديدا وسط افراد الشعب الذين اطاحوا بمبارك، اذ يعتقدون بان ثمار انتصارهم اختطفه منهم رجال الجيش الذي يضم جنرالات وصلوا الى مراكز مرموقة في السلطة تحت سلطة مبارك نفسه. لا احد يعترض على حل البرلمان طالما ان الانتخابات التي نظمها مبارك كانت تعج بالتزوير العام الماضي والاعوام السابقة، إلا ان المجلس العسكري لم يعطِ أي اشارة للوقت الذي سينظم فيه انتخابات حرة ونزيهة والتي يعتقد المصريون انهم وعدوا بها.

قرار تعليق العمل بالدستور - وهو القرار الذي يعتبره ملايين المتظاهرين بانه يمثل جواز المرور للدكتاتورية الرئاسية - جعل الكثير من المصريين يتشككون ايضا، بعد أن تلقى الجيش الشكر الجزيل من إسرائيل على وعده لها بالالتزام باتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية، واعلن انه سيظل في السلطة لستة اشهر فقط، ولكن ليس هناك ضمان بانهم لن يمددوا حكمهم العسكري لفترة اخرى بعد هذا التاريخ.

هناك بوادر خلاف بدأ في الظهور بين متطلبات الشباب الذين اطاحوا بنظام مبارك والوعود التي تعهد الجيش الالتزام بها، اذ انطلقت تظاهرة صغيرة، الاحد الماضي، على جانب من ميدان التحرير تطالب بتحقيق سلسلة من المتطلبات، من ضمنها تعليق قانون الطوارئ الذي وضعه مبارك، واطلاق سراح السجناء السياسيين. ووعد الجيش برفع حالة الطوارئ «في الوقت المناسب»، الا انه طالما ظلت سارية فإنها ستمنح العسكر سلطة كبيرة لمنع جميع التظاهرات والاحتجاجات، وربما يفسر ذلك السبب في اندلاع معركة صغيرة، الاحد الماضي، بين الجنود وافراد الشعب المحتشدين في ميدان التحرير.

اما في ما يتعلق باطلاق سراح المعتقلين السياسيين فقد ظل الجيش صامتا عن ذلك بشكل يبعث على الريبة، فربما كان ذلك الصمت عائدا الى ان بعض السجناء يعرفون تورط الجيش في الكثير من مساوئ النظام السابق، أو لأن السجناء الهاربين او المحررين حديثاً من سجون في الصحراء سيتحدثون عن الوان العذاب والاعدامات التي تعرضوا لها في تلك المعتقلات. احد ضباط الجيش تحدث إلي قائلاً ان سجون الصحراء تديرها وحدات من الاستخبارات العسكرية، لكنها تابعة لوزارة الداخلية وليس لوزارة الدفاع.

أما بالنسبة لكبار مسؤولي شرطة أمن الدولة، والذين امروا «بلطجييهم» بمهاجمة المتظاهرين خلال الاسبوع الاول من الثورة، فيبدو انهم هربوا خارج البلاد. ووفقاً لاحد ضباط المباحث الجنائية في القاهرة والذي تحدثت معه، فإن جميع الضباط المسؤولين عن العنف الذي قضى على 300 متظاهر هربوا بعوائلهم خارج البلاد. أما المجرمون الذين دفعتهم الشرطة الى ضرب المتظاهرين «فقد اختفوا عن ظهر الارض». ربما تحتم الضرورة الاستفادة من خدماتهم مرة اخرى، وفي الوقت نفسه ينتظر ضباط الشرطة متوسطي الرتب أحكام العدالة لتأخذ مجراها ضدهم.

كل ذلك بالطبع يعتمد على حجم الوثائق التي خلفها النظام السابق وراءه، والدرجة التي تستعد بها السلطات - الجيش حالياً - لتقديم هذه الوثائق الى القضاء.

وبالنسبة لشرطة المدينة التي اختفت داخل مقارها قبل ان يتم حرقها من قبل المتظاهرين في 28 يناير، فقد ظهروا امام وزارة الخارجية للمطالبة بزيادة الرواتب. لقد اصبحت الشرطة نفسها تتظاهر - وسيحصلون بالتأكيد على زيادة في الراتب - وهي تلك الظاهرة التي اتسمت بها مصر ما بعد الثورة.

والان جاء دور مصر لكي ترصد تأثيرات ثورتها في جيرانها، إذ ان الكثير من المصريين يعلمون ما حدث من تظاهرات في اليمن، والعنف الذي قابلت به الشرطة تلك التظاهرات.

وفي الوقت الذي تحذو فيه شعوب عربية اخرى حذو اخوانهم في مصر، نجد ان اجهزة امن الدولة في تلك الدول تتبع تكتيكات النظام المخلوع في مصر.

طباعة