«إسلام من أجل المملكة المتحدة» تكشف تعصّب اليمين البريطاني

ناشطو رابطة الدفاع الإنجليزي يتظاهرون ضدّ المدّ الأصولي الإسلامي في بريطانيا.               غيتي ـ أرشيفية

عندما أعلن الناشط الإسلامي البريطاني أنجم تشودري، عن اعتزامه التظاهر، أخيرا، في بلدة ووتن باسيتالتي التي يتم إرسال قتلى الجيش البريطاني في أفغانستان إليها ومن ثم يجري توزيعهم على عائلاتهم، احتجاجا ضد قتل المدنيين، خرجت تصريحات بريطانية تلوح بحظر التظاهرة، لكنّ كثيرين لم يأخذوا على محمل الجد تهديد وزير الداخلية البريطاني آلان جونسون، بأنه سيقوم بحظر هذا التنظيم إذا جرت هذه التظاهرة.

وكان تشودري زعيم جماعة «اسلام من اجل المملكة المتحدة»، أعلن عن تصميمه على التظاهرة، على الرغم من التصريحات الإعلامية واستمر يتفاوض مع الشرطة كي تسمح له بذلك، فما منظمة «اسلام من اجل المملكة المتحدة»؟ وما أهدافها؟

في الحقيقة هي مجموعة صغيرة يقودها المحامي السابق تشودري، وهدفها نشر الاسلام في بريطانيا وتحويلها الى دولة مسلمة ونشر الشريعة الاسلامية في ربوعها وحظر شرب الكحول وتحويل قصر باكنغهام الى مسجد، وذلك حسب ما ورد على موقع الجماعة على الانترنت. وبالنظر الى ان مثل هذه المطالب والأهداف مستحيلة التحقيق، فإن التساؤل الذي يدور في أذهان الغالبية في بريطانيا من مسلمين ومسيحيين، من الذي وضع هذه المطالب ومن المستفيد منها؟

نتائج عكسية

وارتبطت منظمة اسلام من اجل المملكة المتحدة مع منظمة «المهاجرين» المحظورة، التي تدافع عن اقامة الشريعة الاسلامية في بريطانيا، كما أنها من مؤيدي تنظيم القاعدة. وأكد تشودري أنه سيحول هذا البلد العلماني الى دولة اسلامية تحكمها الشريعة الاسلامية، وهو طموح مبالغ فيه وغير منطقي ويثير اكثر من تساؤل.

ولكن تصرفات تشودري جاءت بنتائج عكسية، فقد أثار غضب الكثيرين من أفراد الشعب البريطاني، والجاليات الاسلامية على حد سواء.

ويرى البريطانيون أن تشودري يمضي الكثير من الوقت والجهد لتحقيق أهداف مستحيلة لا يمكن تحقيقها، ويمكن ان تخدم تصرفات منظمة اسلام من اجل المملكة المتحدة هدفين رئيسين، وكلاهما في مصلحة الحكومة البريطانية، ويتمثل الاول في جذب المتشددين، والذين تعتبرهم السلطات البريطانية خطرا على امن البلاد، وبالتالي يسهل عليها اكتشافهم ومراقبتهم. وثانيا قيام المنظمة بسلوكيات استفزازية وتحريضية تمنح الحكومة مبررا لفرض المزيد من التشديد على حرية التعبير، وحق التظاهر.

وفي واقع الأمر، فإن خطر القيام بتظاهرة ضد الحرب في أفغانستان من شأنه ان يكون سابقة لفرض حظر على التظاهرات ضد الحروب، التي يقوم بتنظيمها اليسار البريطاني غالبا.

كمين حكومي

ويعتقد بعض البريطانيين أن تشودري يمكن ان يكون عميلا للحكومة، وأنه ينفذ أجندتها ولطالما تم توثيق حالات قامت فيها بعض الوكالات الحكومية بتجنيد المسلمين الذين يواجهون مشكلات قانونية أو عقوبات بالسجن أو الترحيل، بهدف التجسس على الجاليات الاسلامية ذاتها. وقال معارضون لتشودري على شبكة الانترنت، «يمكن ان يكون تشودري عميلا لمصلحة المخابرات السرية البريطانية كي يزيد من بغض البريطانيين للمسلمين، وحتى لا يهتز أي جفن معارض من البريطانيين، عندما يقوم الجيش البريطاني بضرب إيران».

من جهته، قال تشودري في مؤتمر صحافي، إنه لن يوقف التظاهرة الا في حالة واحدة هي السماح له بلقاء رئيس الحكومة البريطانية غوردون براون لمناقشة قضية الحرب في افغانستان، ما دفع الكثيرين الى القول بأن تشودري شخص مهتم كثيرا بالشهرة وتسليط الاضواء عليه، ولكن فكرة لقائه مع براون ليست معقولة، خصوصا أن منظمته ليست كبيرة ولا تعبر عن آراء مهمة، وتشودري يدرك ذلك، وبناء عليه فإن تقديم المطالب غير الممكنة لم يكن الهدف منه سوى الشهرة و البقاء في دائرة الضوء، وحتى التظاهرة التي دعا إليها لا تخر ج عن هذا الاطار لأنه من المتوقع ان يثير الكثير من اعمال العنف والكراهية، خصوصا ان العديد من الجماعات والمنظمات البريطانية اعلنت معارضتها توجهات تشودري.

دعوة إلى التسلّح

وصدرت أولى ردات الفعل على تشودري وسلوكه من «رابطة الدفاع الانجليزي»، ذات الميول القومية المتشددة، حيث دعت أتباعها الى التسلح والوقوف في وجه تشودري وتطلعاته، في حين طالبت قيادة الحزب الوطني البريطاني المتطرف بتوحيد الصفوف لمواجهة جماعة تشودري بالعنف. وتشكلت جماعة على موقع «فيس بوك»، وبلغ تعدادها أكثر من نصف مليون عضو في غضون بضعة أيام بهدف مواجهة تشودري وأهدافه ولو باستخدام العنف. وفي الحقيقة فإن ردات الفعل المناوئة لمنظمة اسلام من اجل المملكة المتحدة يمكن ان تكون له انعكاسات مضادة للإسلام والمسلمين بصورة عامة، إذ تزايد انصار منظمة «اذا كنت تعيش في بريطانيا فتكلم الانجليزية» المتطرفة، على موقع فيس بوك.

تبرؤ إسلامي

ولم تتوانَ المنظمات الاسلامية في رفضها ما ينوي تشودري القيام به وقال متحدث باسم المجلس الاسلامي في بريطانيا، وهي المظلة التي ينضوي تحتها اكثر من 500 منظمة اسلامية «الغالبية العظمى من مسلمي بريطانيا ليست لهم أي علاقة بالتطرف وما يمثله تشودري، كما أن غالبية البريطانيين لا يعارضون وجود القوات المسلحة البريطانية في افغانستان، فإن المسلمين في بريطانيا ايضا يدعمون وجود الجيش البريطاني هناك».

من جهته، قال الكاتب المسلم في صحيفة الـ«غارديان» البريطانية مهدي حسن، «أسهمت وسائل الاعلام المحبة للإثارة في إبراز هذه الظواهر الهدامة»، وأضاف «هل تشودري عالم اسلامي يمكن ان تكون له وجهة نظر مهمة تؤخذ بعين الاعتبار؟ طبعا لا، هل درس الدين الاسلامي على أيدي العلماء المعروفين؟ طبعا لا، إذن من الذي منح هذا الرجل حق التحدث باسم المسلمين ، أو الادعاء أنه قاضي الشريعة الاسلامية».

حظر برلماني

وبالنظر الى الخطر الذي شكلته جماعة تشودري، من خلال تصريحات الرجل وما تنشره على موقعها على شبكة الانترنت، لم تتردد الحكومة البريطانية في تنفيذ تهديدها، وعمدت الى حظر المنظمة ومنعتها من القيام بأي تظاهرات، وصدر الحظر عن البرلمان البريطاني الذي هدد بإنزال عقوبة السجن لمدة 10 سنوات لكل من ينتهك قانون الحظر، والذي استند في إصداره إلى قانون مكافحة الارهاب الذي صدر عام 2000 .

وقال وزير الداخلية جونسون لصحيفة الاندبندنت «تم حظر كل من منظمتي (المهاجرون)، و(إسلام من أجل بريطانيا)». وإثر صدور الحظر، قال تشودري ان أحدا من جماعته غير متورط بأي أعمال عنف، ووصف قرار الحكومة بأنه «فشل في مفهوم الديمقراطية والحرية».

ولكن رئيس منظمة المسلمين البريطانيين من أجل الديمقراطية العلمانية شاز محبوب، نشر مقالا في صحيفة الاندبندنت البريطانية، قال فيه إنه يعرب عن ارتياحه التام بعد صدور الحظر، وقال ان هذا التحرك يمثل اشارة مرحب بها اتخذتها الحكومة في نهاية المطاف، بعد أن أساء كثيرون استخدام حق حرية التعبير. وقال محبوب «أتمنى أن تكون الخطوة الثانية ضد المنظمات اليمينية المتطرفة، وإلا فإن ذلك سيثير تساؤلا جديا بشأن الانتقائية في استخدام سلطة الحظر على المنظمات و التجمعات».

طباعة