حسيب الصباغ.. الفلسطينيون يبكون رحيل «المعلم»

بكى الشعب الفلسطيني وقيادته، ومعهم عرب كثيرون، فقيدهم حسيب الصباغ، الثري الوطني الذي رحل عن دنيانا الأسبوع الماضي، والذي وصفه مثقفون ومفكرون عرب بأنه كان مثالا للبرجوازية الوطنية النظيفة التي لم يمنعها ثراؤها من العمل الوطني والانساني من خلال اتجاهات معينة وطرق مختلفة.

ولد حسيب الصباغ في طبريا 1920 ،وانتقل إلى القدس ليدرس في الكلية العربية سنة 1938 ،ثم إلى بيروت ليلتحق بالجامعة الأميركية ويتخرج فيها مهندسا مدنيا .1941 وأسس في حيفا «اتحاد المقاولين» مع شركاء له، ومنهم صهره سعيد الخوري، لكن الشركة واجهت صعوبات في الحصول على عقود عمل، بسبب سياسة التمييز التي كان ينتهجها الانجليز لمصلحة اليهود في فلسطين. وبعد النكبة في ،1948 انتقلت الشركة إلى بيروت، حيث ازدهرت أعمالها، واشتد عودها لاحقا، وذاع صيتها في العالم العربي في ما بعد، واسمها المعروف اختصارا بالحروف الثلاثة «سي سي سي»، وحقق الصباغ من خلالها نجاحات مشهودة.

وأجمع عارفو الراحل وأصدقاؤه على أن حياته كانت مشوارا متواصلا من العطاء والبناء والعمل الإنساني والتعليمي لمصلحة أبناء شعبه. وفي السبعينات، بادر إلى تأسيس مركز التفاهم الإسلامي ـ المسيحي في جامعة جورج تاون الأميركية، وسخر جهوده لخدمة التعليم والطلبة الفلسطينيين في سويسرا، من خلال مسؤوليته نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة التعاون في جنيف، ونال أوسمة لبنانية وفلسطينية، وكان عضوا في إدارات: البنك العربي، ومستشفى كليفلاند ـ كلينيك، وجامعة هارفارد وجامعة يوريكا ومستشفى ماساتشوستس وجامعة جورج تاون، إضافة إلى عضويته في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي ومؤسسة الدراسات الفلسطينية.

ونظرا لكبر سنه ودقة مهارته وخبرته الطويلة وتأثيره في الأجيال التي تعاقبت من بعده، لقبه محبون له كثيرون بـ«المعلم»، وعُرف بأنه صاحب الأثر الريادي في المجالات الثقافية والتعليمية التي كرس لها وقته وماله وكان مثالا للشخصية الوطنية الفلسطينية التي أسهمت في عمليات البناء والإعمار والتعليم على المستوى العربي. ولعب دور الناصح والناقد في علاقاته مع القيادة الفلسطينية، خصوصا مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، وقام بدور التهدئة بين أطراف الحرب الأهلية في لبنان، لما يتمتع به من علاقات جيدة مع كل الفرقاء والأحزاب في لبنان.

وعلى الرغم من انشغالاته ومسؤولياته التي كانت تثقل كاهله، فإنه لم ينس فلسطين يوما، ولم تغب عن ذاكرته لحظة، فقد كان فارسا بكل ما تحمل الكلمه من معنى، فهو أحد مؤسسي المجلس الوطني الفلسطيني وعضو في المجلس المركزي الفلسطيني، وكان رفيق ياسر عرفات في بيروت، وآمن بالسلام الشامل والعادل الذي يضمن الحق الكامل للفلسطينيين بالعودة الى وطنهم والعيش بكرامة. وفي الوقت نفسه، قام بتوفير مئات المنح الدراسية للفلسطينيين واللبنانيين، وقام ببناء وتأسيس مؤسسات خيرية كثيرة تحمل اسمه في جامعات ومستشفيات ومدن الضفة الغربية وقاعة حسيب الصباغ في الجامعه الأميركية في بيروت، وحديقة حسيب الصباغ في بيروت، ومقعد حسيب الصباغ في جامعة جورج تاون.

وحين كان يسأله رفاقه: لماذا لا تشتري لك بيتا لتعيش فيه، كان يجيب: بيتي في صفد ويوما ما سأعود إليه، لكنه ودعنا وهو في المنفى، قبل أن يعود إليه، بعد أن ترك رسالة للفلسطينيين والعرب، هي الثبات وعدم التنازل عن الحقوق الوطنية والقومية.

طباعة