المحللة السياسية جوديث بيرغمان:

نفوذ روسيا في إفريقيا يتزايد باطّراد

صورة

عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني من مارس الماضي على مشروع قرار إدانة روسيا لغزوها أوكرانيا، امتنعت 17 دولة إفريقية عن التصويت، ولم تصوت ثماني دول على الإطلاق، بينما صوتت دولة واحدة فقط هي إريتريا ضد مشروع القرار. وعندما تم تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 7 أبريل، كانت الدول الإفريقية أقل استعداداً لأن تكون ضد روسيا، حيث صوتت تسع دول إفريقية ضد تعليق عضوية روسيا، بينما امتنعت 24 دولة عن التصويت.

وقالت الكاتبة الصحافية والمحامية والمحللة السياسية، جوديث بيرغمان، في تحليل نشره معهد جيتستون الأميركي، إن أنماط التصويت الإفريقية في الأمم المتحدة تدل على تنامي النفوذ الروسي في إفريقيا. وفي حين أن حجم انخراط روسيا في القارة لا يقارن بحجم انخراط الصين، إلا أن روسيا على الرغم من ذلك تقوم بتعميق نفوذها على القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمبيعات الأسلحة، وبين عامي 2015 و2017، دخلت روسيا في 19 اتفاقية شراكة مع الدول الإفريقية، وتركزت بدرجة كبيرة على مبيعات الأسلحة الروسية، وتزويدها بالمرتزقة.

ويرى مدير الأبحاث بمركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، التابع لمؤسسة بروكينغز، جوزيف سيجل، أنه «على عكس معظم الشركاء الرئيسين من الخارج، روسيا لا تستثمر بدرجة كبيرة في قضايا فن الحكم التقليدي في إفريقيا، على سبيل المثال، في الاستثمار الاقتصادي والتجاري، وفي تقديم المساعدة الأمنية. وإنما تعتمد روسيا بدلاً من ذلك على سلسلة من الإجراءات المتباينة (التي غالباً ما تكون خارج نطاق القانون) من أجل الحصول على النفوذ، مثل المرتزقة وصفقات الأسلحة مقابل الموارد والعقود المبهمة والتدخل في الانتخابات والتضليل».

ووفقاً لتقرير حديث لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، كانت روسيا أكبر مورد للأسلحة إلى الدول الإفريقية بين عامي 2017 و2021، بنسبة تصل إلى 44% من واردات الأسلحة، تليها الولايات المتحدة بنسبة 17%، ثم الصين بنسبة 10%. وقد تم عقد أول قمة روسية إفريقية في سوتشي عام 2019، وحضرها 40 زعيماً من زعماء الدول الإفريقية. ومن المقرر أن تعقد القمة الروسية الإفريقية الثانية في الخريف المقبل.

التبادل التجاري

وأشارت بيرغمان إلى أنه على الرغم من أن التجارة بين روسيا والدول الإفريقية تضاعفت منذ عام 2015، لتصل إلى 20 مليار دولار سنوياً، لاتزال الصين أكبر شريك تجاري لإفريقيا، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا إلى 254 مليار دولار في عام 2021. إلا أن أهداف روسيا المنشودة في نهاية المطاف في إفريقيا هي أهداف الصين نفسها، وهي الحصول على النفوذ عن طريق جعل الدول الإفريقية معتمدة على خدمات كل منهما.

وفي حين أن الصين تسعى لتحقيق أهدافها من خلال عرض الاستثمارات والبنية التحتية مقابل الوصول الاستراتيجي إلى الموارد الطبيعية الحيوية والنفوذ السياسي، فإن روسيا تعرض الأسلحة والمرتزقة الذين تدعمهم الدولة والذين يعرفون بالشركات العسكرية الخاصة من أجل الحصول على النفوذ.

وقالت فيدريكا سايني فاسانوتي من مؤسسة بروكينجز: «في استراتيجيته الإفريقية، يتحرك الكرملين في الأساس بناء على رغبة في إحباط أهداف السياسة الأميركية، بغض النظر عن جوهرها».

وتابعت فاسانوتي «مع اعتبار إفريقيا واحدة من أولويات السياسة الخارجية لروسيا، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيضاً لخلق اعتماد إفريقي على الأصول العسكرية لموسكو والوصول إلى الموارد الإفريقية، حيث يستهدف الدول التي لديها حكومات هشة، لكنها غالباً غنية بالموارد الخام المهمة، مثل النفط والذهب، والألماس واليورانيوم والمنغنيز. كما يقدمون لهذه الحكومات القدرة على تنفيذ عمليات لمكافحة التمرد والإرهاب غير المقيدة بمسؤوليات حقوق الإنسان. في المقابل، تسعى روسيا للحصول على تنازلات من أجل الموارد الطبيعية والعقود التجارية المهمة، او الوصول إلى مواقع استراتيجية، مثل القواعد الجوية أو الموانئ».

مرتزقة

لقد انتشر المرتزقة الروس في العديد من الدول الإفريقية من السودان وحتى موزمبيق، حيث تركوا خلفهم أدلة على انتهاكات حقوق الإنسان. وتعد أكبر وأشهر مجموعة من المرتزقة الروس، هي مجموعة «فاغنر جروب» وهي منظمة شبه عسكرية مرتبطة بيفغيني بريجوجين، الحليف المقرب للرئيس بوتين.

وعلى الرغم من أنها تبدو في الظاهر كشركة خاصة فإن «إدارتها وعملياتها متشابكة للغاية مع الجيش الروسي وأجهزة الاستخبارات»، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ولذلك يجب أن يتم النظر إليها على أنها «منظمة تعمل بالوكالة عن الدولة الروسية وليست شركة خاصة تبيع خدمات في السوق المفتوحة».

وذكر تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في سبتمبر 2020، أن «استراتيجية روسيا مباشرة: وهي تقويض القوة الأميركية، وزيادة نفوذ موسكو باستخدام قوات تتوارى عن الأنظار، ويمكن إنكار وجودها مثل شركات عسكرية خاصة، يمكن أن تقوم بكل شيء، من تقديم الأمن للزعماء الأجانب حتى التدريب والمشورة والمساعدة للقوات الأمنية الشريكة».

وأضاف التقرير أن «استخدام موسكو للشركات العسكرية الخاصة تزايد بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة، ليعكس الدروس التي تم تعلمها من عمليات الانتشار السابقة، والعقلية التوسعية المتنامية ورغبة في تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية جغرافية وعسكرية. وتقوم الشركات العسكرية الخاصة الآن بأدوار متنوعة لتقويض النفوذ الأميركي، ودعم مصالح روسيا التوسعية السياسية والجغرافية والعسكرية والاقتصادية».

وفي شهادة أمام لجنة خدمات القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي في 15 مارس الماضي، أشار قائد القيادة الأميركية في إفريقيا، الجنرال ستيفن تاونسند، إلى الشركات العسكرية الروسية، خصوصاً «فاغنر جروب»، على أنها ذات «تأثير خبيث».

وتابع تاونسند «إنهم لا يتبعون قواعد أحد. إنهم يفعلون ما يريدون. إنهم ينصّبون حكاماً مستبدين. إنهم يرتكبون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. أعتقد أن هذا أمر سيئ لأمن إفريقيا وازدهارها في المستقبل. إنهم حاضرون في ليبيا، وبدرجة أقل في السودان. إنهم يديرون جمهورية إفريقيا الوسطى. وهم الآن في مالي، وهناك أكثر من 1000 عنصر من فاغنر في مالي الآن».

وأضاف أن «الغزو الروسي لأوكرانيا، والعقوبات التي أعقبته، من المرجح أن يحفزا روسيا على السعي إلى مزيد من الانخراط في القارة الإفريقية في السنوات المقبلة، وهذا أيضاً ينطبق على الصين. يجب أن يكون هذا تذكيراً للإدارة الأميركية الحالية، والإدارات المستقبلية، بأنه طالما أن روسيا والصين تزيدان من انخراطهما في إفريقيا وتعززان وجودهما بها، فإنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تغض الطرف. الولايات المتحدة لا يمكن أن تتجاهل إفريقيا. إن تحديات إفريقيا وفرصها ومصالحها الأمنية لا تنفصل عن فرصنا ومصالحنا».

وقال تاونسند «من الواضح أن منافسينا يرون الإمكانات الغنية لإفريقيا. روسيا والصين تسعيان إلى تحويل استثمارات القوة الناعمة والقوة الحقيقية إلى نفوذ سياسي ووصول استراتيجي ومكاسب عسكرية».


خلافاً لمعظم الشركاء الرئيسين من الخارج، روسيا لا تستثمر بدرجة كبيرة في قضايا فن الحكم التقليدي في إفريقيا، على سبيل المثال، في الاستثمار الاقتصادي والتجاري، بل في إرسال المرتزقة والأسلحة.

وفقاً لتقرير حديث لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، كانت روسيا أكبر مورّد للأسلحة إلى الدول الإفريقية بين عامي 2017 و2021، بنسبة تصل إلى 44% من واردات الأسلحة، تليها الولايات المتحدة بنسبة 17%، ثم الصين بنسبة 10%.

طباعة