بعملها مع روسيا والصين

إيران قادرة على العيش دون وجود الاتفاقية النووية بالمطلق

صورة

في الـ10 من يونيو الجاري، حذّر المدير العام لمنظمة الطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي، من أن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها إيران في برنامجها النووي، يمكن أن تشكل «ضربة قاتلة» لجهود استعادة الاتفاقية النووية الموقّعة عام 2015. وتوقفت هذه الاتفاقية عندما انسحب منها الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بعد أن تم التوقيع عليها من قبل إيران، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي إضافة إلى ألمانيا.

وعلى الرغم من التعهدات التي أطلقها الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال حملته الانتخابية عام 2020، إلا أنه لم يجد الطريقة الملائمة لإعادة الولايات المتحدة إلى مشاركة رسمية في الاتفاقية، كما أن التحركات الإيرانية التي قامت بها خلال الأشهر الأخيرة تجعل من غير المرجح إمكانية عودة هذه الاتفاقية إلى هدفها الأصلي، المتمثل في ضبط النشاطات النووية الإيرانية وتخفيف العقوبات عن إيران.

مراوحة

ولشهور عدة، ظلت المفاوضات الرامية إلى إحياء الاتفاقية والحد من التطور النووي الإيراني تراوح بين إحراز التقدم الدبلوماسي البسيط والتوقف المستمر. ولكن الأوضاع ساءت تماماً مع صدور قرار إيران الهادف إلى إغلاق 27 كاميرا كانت مركبة لمراقبة عملية نشاطات تخصيب اليورانيوم بموجب شروط اتفاقية عام 2015، التي تُعرف بـ«خطة العمل المشتركة والشاملة». وأدى ذلك إلى انخفاض ثقة منظمة الطاقة الدولية في فيينا بأن المجتمع الدولي يمكنه إنهاء هذه العملية بنجاح.

ثلاثة عوامل

وسيثير هذا الاحتمال المحبط مجموعة من الردود من الأطراف الذين كانوا يرون في الاتفاقية مجرد تكتيكات لتأجيل تحدي محتوم مع إيران، وكذلك الأطراف الأخرى الذين سيعانون لو تمت معالجة الاتفاقية بصورة مختلفة من أجل إبقائها حية. وهناك ثلاثة عوامل يمكنها أن تساعدنا على فهم كيف وصلنا إلى هذه المرحلة الحالية وهي: السياسة الأميركية، والحسابات الإيرانية، ومناخ التغيّرات الجيوسياسية.

هناك الكثير في الولايات المتحدة الذين يتساءلون الآن: «لماذا لم تكن لدى إدارة بادين استراتيجية أفضل من أجل عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاقية النووية الإيرانية؟». وبخلاف اتفاقية باريس للمناخ، حيث أعلن الرئيس بايدن بسهولة أن سياسة ترامب ملغاة، يبدو أن فريق بايدن كان يشعر بأنه مضطر إلى الضغط من أجل اتفاقية أفضل من الاتفاقية الأصلية، وتحمل الألم المتعلق بكيفية رفع العقوبات.

وأدّت الضغوط من الجمهوريين والديمقراطيين، الذين طالما كانوا متشككين في الاتفاقية، إلى صياغة سياسة مطولة، بتنسيق جديد مع الحلفاء الأوروبيين حول المخاوف النووية وغير النووية التي يمكن أن ينظر إليها بأنها تعمل على تعقيد المهمة الدبلوماسية الأساسية المتعلقة بالاتفاقية النووية الإيرانية. ولكن التكهن في رغبة الولايات المتحدة تخفيف التزامها بالشرق الأوسط، وفي ما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، في إبعاد المشكلة الإيرانية عن موقع الصدارة لم تكن صحيحة، وإن كانت تبدو كذلك خارج الولايات المتحدة.

نتائج عكسية

واعترف كبير الخبراء في إدارة بايدن، روب مايلي، أيضاً، ولأسباب قوية، بأن سياسة «الضغوط القصوى»، التي انتهجتها إدارة ترامب جاءت بنتائج عكسية، بحيث أن فريق بايدن المفاوض أصبح يواجه مشكلة عويصة، تعين التغلب عليها، كما أن التحوّل إلى المشاركة الكاملة للولايات المتحدة في المفاوضات لم تكن خياراً مطروحاً. حتى إنه بات من الصعب التكهن بالجزء الإيراني من القصة. فهل كان القادة الإيرانيون يريدون قتل الاتفاقية بالكامل.. أو أنهم يعتقدون أن إظهار تحديهم لواشنطن سيجعلهم يفوزون بمزيد من التنازلات من قبل أميركا خلال المفاوضات؟

تنازلات

وبالنظر إلى السلطات المتركزة مع المرشد الإيراني علي خامنئي، وانعدام ثقته بالمؤسسات الدولية، فإن إيران ربما كانت تأمل في الحصول على تنازلات تتعلق بالعقوبات المفروضة عليها، ولكنها ستكون مستعدة للعيش مع عدم وجود الاتفاقية النووية بالمطلق. وسواء كان ذلك يعني قيام سباق إلى خط النهاية حيث الحصول على سلاح نووي كامل، أو أقل من ذلك، لايزال ذلك غير معروف. فهل ترى إيران أن المناخ الإقليمي ملائم لمصالحها؟ هل يمكن لمثل هذا الرأي أن يكون عاملاً أساسياً في تصرفاتها المتعلقة بالملف النووي؟

تغيّر أساسي في المنطقة:

وكان التغيّر الأساسي في المنطقة هو تحسن العلاقات بين العرب وإسرائيل، الأمر الذي أثار حفيظة إيران، وجاء هذا التحسن في العلاقات نتيجة شعور الدول العربية بتهديد إيران أكثر من أي عامل آخر. واعتبرت المؤسسة الأمنية في إيران أن هذا التغيّر في المنطقة لا يصب في مصلحتها، بل يشكل خطراً عليها. ولكن مع ذلك إذا كانت هذه الاتفاقات بين الدول العربية وإسرائيل ستقلل النفوذ الأميركي في المنطقة، لأن هذه الدول ستتحمل مسؤولية أكبر في المنطقة، فستظل إيران تعتبر نفسها فائزة.

وأما في ما يتعلق بوكلاء إيران في الشرق الأوسط، فان الوضع أصبح أكثر فوضى لأن لبنان دولة شبه منهارة ولم تعد دولة يمكن الوثوق بها، كما أن تناقص نفوذ «حزب الله» في البرلمان اللبناني يعتبر ضربة لإيران، ولكن إيران يمكن أن تستفيد من نفوذها في الأراضي اللبنانية كمنصة لإطلاق طائراتها بدون طيار (درون) وكذلك صواريخها تجاه إسرائيل. وكذلك الوجود الإيراني في سورية سيمثل فائدة لها، بيد أن علاقة إيران مع العرب والأكراد ليست سهلة مطلقاً.

وبناءً عليه فإن الجغرافية السياسية الجديدة يمكن أن تقنع إيران بأنها يمكن أن تعيش من دون اتفاقية العمل النووية، حيث تعمل مع روسيا والصين لمنع أي إجراءات عقابية ضدها، وتحصل على انتصارات صغيرة في الدول التي تمتلك فيها نفوذاً كبيراً. وأما في ما يتعلق ببقية المنطقة، وللقوى الغربية، فإن العالم من دون الاتفاقية النووية الإيرانية سيكون عالماً خطراً. وربما سيكون تعزيز التعاون بين هذه الدول التي تخشى إيران تطوراً إيجابياً، ولكنه ليس كافياً لتحقيق أمن إقليمي.

إيلين ليبسون مدير برنامج الأمن الدولي في جامعة جورج ماسون الأميركية


على الرغم من التعهدات التي أطلقها الرئيس جو بايدن، خلال حملته الانتخابية عام 2020، فإنه لم يجد الطريقة الملائمة لإعادة الولايات المتحدة إلى مشاركة رسمية في الاتفاقية، كما أن التحركات الإيرانية التي قامت بها خلال الأشهر الأخيرة تجعل من غير المرجح إمكانية عودة هذه الاتفاقية إلى هدفها الأصلي.

طباعة