مؤشرات إلى حدوث تغيّر في لهجة برلين تجاه الرباط

التقارب المغربي الألماني.. خطوة لطيّ الخلاف على أسس جديدة

رحيل ميركل عن المستشارية سهّل عودة العلاقات بين المغرب وألمانيا إلى طبيعتها. عن يورونيوز

عادت العلاقات المغربية الألمانية إلى الواجهة من جديد، لتلوح في الأفق بوادر انفراج في الأزمة التي بدأت في شهر مارس الماضي، بعدما ألقت برلين حجراً في البركة الراكدة من خلال تدوينة لسفارتها في الرباط على صفحتها في «فيس بوك»، ومقال منشور بموقع وزارة الخارجية.

ولا يخلو توقيت المبادرة الألمانية من دلالات تأتي في سياق مجموعة من المتغيرات، سواء على الصعيد الداخلي مثل رحيل أنغيلا ميركل بعد 16 عاماً قضتها في قيادة الدبلوماسية الألمانية، أو الصعيد الخارجي نظراً للتحولات التي يشهدها العالم على مستويات عدة.

المقال الذي نشرته وزارة الخارجية الألمانية على موقعها الإلكتروني أعطى مؤشرات إلى حدوث تغيّر في لهجة برلين تجاه الرباط، بداية من إشادتها بدور المغرب من الأزمة الليبية، بعد استبعاده من مؤتمر برلين في السابق، وموقفها من قضية الصحراء بدعمها جهود المغرب لإيجاد حل عادل ودائم للنزاع.

منعطف إيجابي

ووصف أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط، تاج الدين الحسيني، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، الخطوة بالمنعطف الإيجابي في علاقة البلدين، الذي يدشن لمرحلة جديدة سبقتها مفاوضات لوضع النقاط على الحروف لتعزيز التعاون بين المغرب وألمانيا، باعتبارها القائد القوي لقارة أوروبا.

وأضاف الحسيني: «الخطوة مرتبطة برحيل ميركل واستلام حزب ليبرالي ديمقراطي لمقاليد الأمور، فليس خافياً أن ألمانيا عارضت الحقوق المغربية بالتحالف مع إسبانيا والجزائر في السابق، لكنها الآن في خطوة ليس لها مثيل تشيد بمقترح الحكم الذاتي وقرار مجلس الأمن رقم 2602 الذي يتعارض مع مصالح الجزائر والبوليساريو».

في المقابل، لا يميل الكاتب الصحافي محمد مسعاد لهذا الطرح، انطلاقاً من خبرته بالدبلوماسية الألمانية القائمة على الاستمرارية، فالجانب الألماني كان يسعى منذ فترة طويلة إلى فهم ما وقع، وإيجاد صيغة لإعادة الأمور إلى نصابها.

ويفسر مسعاد رؤيته للأزمة الصامتة، أو حادثة السير، كما يسميها، بالقول لـ«د.ب.أ»: «سوء الفهم جمّد كل الملفات بين الطرفين وأوقف التعاون الاقتصادي في مجالات حيوية كالطاقة الخضراء والبحث العلمي، والكثير من المشروعات العملاقة، لذلك فالإرادة الألمانية لحلحلة الموضوع اتضحت بجلاء في ثلاثة محاور تضمّنها مقال وزارة الخارجية الألمانية، وتتعلق بالإشادة بدور المغرب في الأزمة الليبية، وتأييد جهود الأمم المتحدة لحل النزاع على الصحراء، ودعم مساهمات المغرب في إيجاد حل دائم وعادل لهذا النزاع».

حلقة الوصل

ويقول الحسيني إن ألمانيا اعتبرت المغرب حلقة الوصل بين أوروبا وإفريقيا «وهي راغبة في إحياء علاقة الشمال والجنوب، بعد توقف لسنوات عدة، فالمغرب يُعد منطقة استراتيجية للربط بين القارتين في الجانب الاقتصادي. ولا تقتصر أهمية المغرب بالنسبة للألمان على هذا الشق، بل تتجاوزه إلى تعزيز آفاق التعاون الأمني لما يوفره المغرب من معلومات ثمينة عن طريق الاستخبارات التي ساعدت الدول الأوروبية على محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، كما شكّل دوماً سداً منيعاً أمام التدفق القوي لموجات المهاجرين الأفارقة».

وكانت وزارة الخارجية الألمانية قامت بتحديث صفحة المغرب على موقعها الإلكتروني، بالتزامن مع تولّي الحكومة الألمانية الجديدة مهامها. وأكدت في التحديث أن «المملكة المغربية تعتبر حلقة وصل مهمة بين الشمال والجنوب على الصعيدين السياسي والثقافي والاقتصادي، فهي شريك رئيس للاتحاد الأوروبي وألمانيا في شمال إفريقيا. كما أن علاقات دبلوماسية تربط بين ألمانيا والمغرب منذ عام 1956».

إصلاحات

وأضافت الخارجية الألمانية: «خلال العقد الماضي، أطلق المغرب إصلاحات واسعة النطاق. وتلعب البلاد دوراً مهماً في الاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة. ويتجلى في مبادرات عدة ليس آخرها التزامه الدبلوماسي بعملية السلام الليبية. كما أن الأمم المتحدة تعمل تحت إشراف المبعوث الشخصي، المعيّن حديثاً، للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، لإيجاد حل لمسألة (الصحراء). فموقف الحكومة الألمانية ظل منذ عقود من الزمن، دون أي تغيير. برلين من جهتها تدعم المبعوث الشخصي في سعيه لتحقيق نتيجة سياسية عادلة ودائمة ومقبولة من الطرفين على أساس قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 2602 (2021). ومن خلال مخطط الحكم الذاتي، قدّم المغرب مساهمة مهمة لمثل هذا الاتفاق».

ولفتت إلى مستوى التعاون الاقتصادي المتميز بين البلدين. وقالت: «احتلت ألمانيا المركز السابع في الميزان التجاري المغربي لعام 2019. واستوردت ألمانيا في السنة نفسها، بضائع بقيمة مليار و400 مليون يورو من المغرب، في حين سجلت الصادرات الألمانية إلى المغرب، نحو مليارين و200 مليون يورو. وتشارك الشركات الألمانية برأسمال ألماني في المغرب، من خلال تمركزها في الدار البيضاء وطنجة بما يقرب من 300 شركة. ويُعد المغرب وجهة سفر مفضلة للألمان، حيث سجل السياح الألمان في 2019 نحو 6% من السياح الأجانب».

كما تدعم ألمانيا المغرب في مسار التحديث، وهي من أكبر المانحين الثنائيين بإجمالي يقارب ملياراً و200 مليون يورو في عام 2020.

والمغرب جزء من مبادرة مجموعة العشرين «الميثاق مع إفريقيا» لتحسين إطار الاستثمار الخاص.

ومن أجل هذه الغاية، اتفق البلدان على شراكة إصلاحية ألمانية مغربية في نهاية نوفمبر 2019. وفي 2020، دعمت ألمانيا المغرب ببرنامج مساعدات طارئة مكثف لمواجهة جائحة «كورونا».

• سوء الفهم جمّد كل الملفات بين الطرفين، وأوقف التعاون الاقتصادي في مجالات حيوية كالطاقة الخضراء والبحث العلمي، والكثير من المشروعات العملاقة، لذلك فالإرادة الألمانية لحلحلة الموضوع اتضحت بجلاء في ثلاثة محاور.

• ألمانيا اعتبرت المغرب حلقة الوصل بين أوروبا وإفريقيا، وهي راغبة في إحياء علاقة الشمال والجنوب، بعد توقف لسنوات عدة، فالمغرب يُعد منطقة استراتيجية للربط بين القارتين في الجانب الاقتصادي.

طباعة