رغم ولادتهما من رحم ثورة مسلحة

الصين والولايات المتحدة تختلفان في سياسة حمل الأسلحة الشخصية

صورة

في الأسبوع الماضي اقتحم رجل عمره 47 عاماً شركة محاماة في مدينة ووهان الصينية، وقتل محامياً كان على خلاف معه، وفق ما ذكرته وسائل الإعلام الصينية، وبعد ذلك وضع مسدسه في حقيبة لمضرب تنس وغادر المكان، وسبّب هذا الحادث صدمة كبيرة في الصين التي لديها أكثر قوانين مراقبة الأسلحة الفردية صرامة، لدرجة أن العديد من الصينيين اعتقدوا أن الخبر جاء من الولايات المتحدة، وكتب أحد الصينيين على منصة التواصل الاجتماعي الصينية المعروفة باسم «ويبو»: «عندما أخبرني صديقي عن حادث إطلاق النار، اعتقدت أن الحادث في الولايات المتحدة، فهل أنا أشاهد فيلماً أميركياً؟»، ويعكس هذا الاستغراب مدى ندرة مثل هذه الجرائم في الصين، مقارنة بالولايات المتحدة التي يعد ذلك فيها حقيقة يومية.

وتقف الدولتان على طرفَي نقيض في ما يتعلق بمراقبة الأسلحة الفردية، حيث يكون حق حمل السلاح في إحداهما مصاناً، في حين أنه في الثانية شبه معدوم تقريباً، ويبدو الفرق صارخاً عندما يتعلق الأمر بأمن العامة، وعلى الرغم من أن الصين أكبر دول العالم من حيث تعداد السكان، الذي يصل إلى 1.4 مليار نسمة، إلا أن الصين تقع فيها بضع عشرات من جرائم القتل سنوياً، وإضافة إلى ذلك فإن جرائم العنف تواصل الانخفاض، حيث إنها وصلت إلى أقل معدل لها منذ عقدين من الزمن، عام 2020، وفق وكالة الأنباء الحكومية «شينخوا».

وفي الوقت ذاته تقع مئات الحالات من القتل الجماعي بالأسلحة النارية في الولايات المتحدة، حيث يكون تعداد القتلى أربعة أشخاص فما فوق، وتم تسجيل نحو 475 حادثاً من هذا الشكل حتى الآن عام 2021، ناهيك عن حوادث القتل الأخرى بالأسلحة، مثل حالات الانتحار، وعلى الرغم من تصاعد الدعوات إلى السيطرة على انتشار الأسلحة، إلا أن جرائم العنف في تزايد، وشهدت المدن الكبيرة في الولايات المتحدة تزايداً في جرائم القتل بنسبة 33% العام الماضي، حيث لايزال معدل الجرائم في تزايد حتى الآن.

ولطالما استغلت الصين هذا المعدل المرتفع للجرائم في أميركا لتتهمها بالنفاق والحكم الضعيف، ونشرت وسائل الإعلام الحكومية العشرات من المقالات التي تتحدث عن أحداث القتل بالأسلحة النارية، خلال الأشهر القليلة الماضية فقط، وفي عام 2019 وصفت صحيفة «غلوبال تايمز» الحكومية السيطرة الفعالة في الصين على السلاح بأنها «درس يجب أن تتعلمه الولايات المتحدة»، وأخيراً دعت مقالة نشرتها وكالة «شينخوا» الحكومية للأنباء الولايات المتحدة بأنها «مخادعة»، لأنها تنتقد الدول الأخرى حول حقوق الإنسان وتفشل في معالجة جرائم الأسلحة على أراضيها.

ويبدو نهجا الدولتين المتعاكسان لافتين للنظر بصورة خاصة، نظراً إلى أن الدولتين تأسستا إثر ثورتين مسلحتين، فقد حازت الولايات المتحدة استقلالها إثر الحرب الثورية عام 1783، في حين أن الحزب الشيوعي الصيني أسس جمهورية الصين الشعبية بعد ثورته ضد الحكومة القومية الصينية.

لكن موقفا الدولتين اختلفا كثيراً بعد أن تبنت الولايات المتحدة حق حمل السلاح في الدستور، معللة ذلك بأن هذا الحق كان «ضرورياً من أجل أمن الدول الحرة»، لكن الصين ذهبت إلى الجهة المعاكسة تماماً، حيث قررت أن الشعب المسلح يشكّل تهديداً على أمن واستقرار الدولة الوليدة التي تأسست حديثاً. ويرى قادة الحزب الشيوعي أن السلاح وسيلة الثورة، حيث أعلن رئيس الحزب الشيوعي الصيني، ماو تسي تونغ، عام 1927 أن «السلطة السياسية تتعزز من فوهة البندقية».

وبعد عامين من تأسيس الجمهورية الشعبية، أصدرت الحكومة قرارات تحظر على المواطنين حمل السلاح وشراءه وبيعه أو تصنيعه، وبعد بضعة أشهر أصدرت الحكومة قرارات جديدة للسيطرة على السلاح. وفي عام 1996 صدر قانون مراقبة السلاح من قبل مجلس الشعب الوطني الصيني، وهو الهيئة الصينية للتشريع، الذي يسمح لفئات قليلة بامتلاك السلاح، منها فئة العاملين في مجال الأمن، ورياضات إطلاق النار والتصويب التي توافق عليها الحكومة، وفئة الصيادين الذين يحصلون على موافقة حكومية.

وتزايدت إجراءات الحكومة على مراقبة انتشار الأسلحة لدى المدنيين في ظل حكم الرئيس الحالي، شي جين بينغ. وخلال السنوات الأخيرة قامت السلطات بحملة ضد انتشار الأسلحة، وعرضت السلطات التسامح مع من يسلم السلاح الناري الذي يملكه، وقامت الشرطة بتحطيم 69 ألف سلاح ناري غير قانوني، في شهر نوفمبر الماضي، وأعلنت الحكومة الصينية، في مايو الماضي، أنها ستشن حملة أخرى مدتها أربعة أشهر لمصادرة الأسلحة غير القانونية. وتعد سياسة عدم انتشار الأسلحة بيد الشعب مألوفة تماماً بالنسبة للصينيين الذين ينظرون، مثل العديد من المجتمعات العالمية الأخرى، برعب إلى الجرائم المريعة التي تحدث جراء القتل الجماعي بالأسلحة في الولايات المتحدة.

لكنّ القوانين الصارمة المتعلقة بمنع انتشار الأسلحة أثارت جدلاً كبيراً في بعض الحالات، ففي عام 2016 جرى الحكم على رجل في الـ20 من العمر، من إقليم فوجيان، بالسجن مدى الحياة لأنه اشترى مسدساً غير حقيقي، من دون علمه أنه يعد سلاحاً حربياً، وأثارت حالته ضجة كبيرة، ونال تعاطفاً كبيراً من الشعب، ما أدى إلى خفض عقوبته إلى سبع سنوات عام 2018.

لكن على الرغم من أن جرائم العنف في الصين قليلة، وتبلغ عُشر ما يحدث في الولايات المتحدة، إلا أنها تعاني جرائم الهجمات بالسكاكين التي تستهدف عادة طلاب المدارس، وعادة ما يعاني مرتكبو هذه الجرائم مشكلات عقلية، ولطالما وقعت أحداث قتل جماعية بهذا النوع من الهجوم بالسكاكين.

وهناك وفيات من نوع آخر، إذ إن 10 أشخاص، معظمهم من الطلاب، لقوا حتفهم إثر انقلاب عبّارة كانت تقلهم بأحد الأنهار في إقليم غويجو، يوم السبت الماضي، وتعد هذه العبّارة وسيلة النقل الرئيسة للطلاب الذين يعيشون في قرى على جانب النهر، للذهاب إلى مدارسهم على الجهة الأخرى من النهر، وكان هؤلاء الطلاب في طريقهم إلى منازلهم من أجل عطلة منتصف الخريف، التي تمتد لثلاثة أيام وتبدأ من يوم الأحد الماضي، عندما انقلبت العبارة نتيجة الجو السيئ وفق ما ذكرته وسائل الإعلام الصينية.

جيسي يونغ ■ منتج رقمي لـ«سي إن إن» في هونغ كونغ

ستيف جورج ■ محرر أميركي مقره في هونغ كونغ

• تقع مئات حالات القتل الجماعي بالأسلحة النارية في الولايات المتحدة، وتم تسجيل نحو 475 حادثاً حتى الآن في عام 2021، ناهيك عن حوادث القتل الأخرى بالأسلحة، مثل حالات الانتحار.

• على الرغم من أن الصين أكبر دول العالم من حيث تعداد السكان، الذي يصل إلى 1.4 مليار نسمة، إلا أنها يقع فيها بضع عشرات من جرائم القتل المسلح سنوياً.

• استغلت الصين المعدل المرتفع للجرائم في أميركا لتتهمها بالنفاق والحكم الضعيف.

طباعة