العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    يبدد صدقية واشنطن إزاء أصدقائها

    قرار بايدن بالانسحاب يعد تخلياً عمّن يكافحون من أجل أفغانستان

    صورة

    ركبتُ الطائرة ذات مرة في رحلة من دبي إلى كابول مع فريق كرة القدم الأفغاني للفتيات في عمر المراهقة، وكن يتحدثن ويضحكن بصوت مرتفع مثل أي تجمع للفتيات في أي مكان. وفكرت في هؤلاء اللاعبات بعد إعلان خطط الرئيس الأميركي جو بايدن سحب الجيش الأميركي بصورة كاملة من أفغانستان. وأتمنى أن يكون لهن الوسائل الملائمة للخروج من أفغانستان قبل سيطرة حركة «طالبان» عليها، وهو الأمر الذي سيحدث عاجلاً أم آجلاً.

    ولم تذهب القوات الأميركية إلى أفغانستان في أعقاب حادث 11 سبتمبر لتحسين وضع النساء فقط، وإن كان الوجود الأميركي هناك أسهم في تطوير حياتهن، إذ تمكن الملايين من الفتيات اللواتي منعتهن حركة «طالبان» من الحصول على أي نوع من التعليم من الذهاب إلى المدارس. وأصبح بعضهن طبيبات، وسيدات أعمال، وعضوات في البرلمان، وقلة منهن شاهدن بناتهن يلعبن كرة القدم تحت حماية الوجود الأميركي في أفغانستان.

    ويجري الآن التخلي عن هؤلاء النساء، وعن كل الأشخاص الذين يكافحون من أجل جعل أفغانستان مكاناً أكثر إنسانية، وتقبلاً من الآخرين، وأكثر تسامحاً بين أعراقه المختلفة، وعن الذين خاطروا بأنفسهم لتقديم المساعدة للجنود الأميركيين، والدبلوماسيين وموظفي الأعمال الخيرية خلال أدائهم لواجبهم. وكما كتب الصحافي الأميركي جورج باكر، في صحيفة «أتلانتك»، فهناك نحو 17 ألف أفغاني ينتظرون الحصول على تأشيرة إلى الولايات المتحدة.

    تأشيرات

    وإذا أراد بايدن تمييز سياسته للهجرة عن سياسة سلفه دونالد ترامب فعليه أن يوقع قراراً تنفيذياً يمنح كل شخص من هؤلاء تأشيرة دخول وبسرعة، لأن ذلك سيرفع سيف عقوبة الإعدام المسلط على رؤوسهم، والتي ستنفذها «طالبان» بعد خروج الجيش الأميركي. وسيكون ذلك من أفضل التقاليد الأميركية للترحيب باللاجئين السياسيين، ويبعث برسالة مفادها أن أميركا تقدم المساعدة عندما يطلب منها ذلك.

    ولكن طالبي تأشيرة اللجوء الـ17 ألفاً هم مجرد جزء ضئيل جداً من الشعب الأفغاني، الذي سيبقى تحت رحمة «طالبان»، وهناك نقاش عقلاني مفاده أن الولايات المتحدة ذهبت إلى أفغانستان لخدمة مصالحنا الوطنية، وليس مساعدة دولة أفغانستان الفقيرة التي يبلغ تعدادها نحو 40 مليون شخص. وفي الحقيقة فإن السياسة الخارجية تتعلق في نهاية الأمر بالمصلحة الذاتية وليس مصلحة الآخرين.

    ولكن ما المصالح الأميركية في البقاء في أفغانستان حتى بعد سقوط «طالبان»؟ بالتأكيد لم تكن من أجل قتل أسامة بن لادن، الذي كان واحدا من ضمن عدد من العقول الإرهابية المدبرة. وكان ذلك لإثبات أن بن لادن كان مخطئاً بشأن التزامات أميركا طويلة الأمد مع أصدقائها من الدول الأخرى.

    وفي أغسطس 1996، أطلق بن لادن فتواه السيئة معلناً الحرب على الولايات المتحدة، التي كان يأمل أن تكون طويلة ودموية. ولاحظ أنه في حروب أميركا المتكررة كانت دائما تترك ساحة الحرب وتنسحب. وكتب بن لادن ذات مرة «الله أخزاكم عندما انسحبتم. وهذا يظهر بوضوح مدى ضعفكم وقلة حيلتكم».

    نتيجة مباشرة

    وكانت هجمات 11 سبتمبر 2001 نتيجة مباشرة لملاحظة بن لادن بشأن الجيوش الأميركية، ولهذا كان الرئيس السابق باراك أوباما صائباً عندما قال في أول حملة انتخابية له إن «حرب أفغانستان يجب أن ننتصر بها»، لأن الخسارة لن تظهر فقط مدى ضعفنا وقلة حيلتنا، وإنما ستكون تأكيداً على صحة استراتيجية الإرهابيين. ولكن ما مدى الأمن الذي ستكون عليه أميركا عندما تنجح استراتيجيتها ليس في كابول فقط، وإنما في إسلام أباد أيضاً؟ الجواب على ذلك أننا لا يمكن أن نشارك في حرب ليست حربنا إلى مالا نهاية، من أجل الغير، خصوصاً عندما يتعين علينا تغيير تركيزنا الاستراتيجي نحو منافسين كبار لنا مثل روسيا والصين. وهذا هو تزييف الحقائق مدعوماً بتزييف للكلمات.

    وفي يناير الماضي وحده قتل 239 من أعضاء قوات الأمن المؤيدين لحكومة كابول إضافة الى 77 مدنياً على أيدي «طالبان». وبالمقابل كان الجيش الأميركي يفقد نحو 20 جندياً سنوياً في الأعمال القتالية في أفغانستان منذ عام 2015. وهذا أمر مفجع بالنسبة للأشخاص المتأثرين به، ولكن 20 جندياً عدد ضئيل بالنسبة للجنود الذين يموتون خلال حوادث التدريبات الروتينية في شتى أنحاء العالم. ولذلك أصبح هدفنا الرئيس في السنوات الأخيرة تزويد القوات الأفغانية بالقوة الجوية الفعالة.

    ونتساءل: هل يمكن أن تجد أوكرانيا، التي يتجمع نحو 150 ألف جندي روسي على حدودها، السلوان والراحة من الانسحاب الوشيك للولايات المتحدة من أفغانستان؟ لا تستند نظرية الردع إلى توازن القوى، وإنما أيضاً إلى المصداقية، إذ إن الانسحاب من أفغانستان الآن يضعف حلفاءنا ويقوي أعداءنا. ونحن نسير الآن على خط فيتنام الذي رسمناه قبل 50 عاماً ليصل إلى الصومال، ومن ثم إلى العراق، ليدل على أننا نشكل خطراً على أصدقائنا وأعدائنا.

    وجهة النظر التي مفادها أن الطلب من الأفغان حماية أنفسهم بعد 20 عاماً من التضحيات الأميركية، لا يجب النظر إليه باعتباره فكرة معقولة، ولكن السياسة الخارجية تتعلق أيضاً بالتعامل مع العالم كما هو، وليس كما نرغب نحن. وفي العالم المرغوب سيكون القادة الأفغان ناجحين، والنساء لن يكن في خطر داهم ومتزايد، كما أن «طالبان» ستكون قد قطعت علاقتها مع الإرهابيين الدوليين، وما فعلته الولايات المتحدة في احد أركان العالم لن يكون له علاقة بكيفية النظر إليه في مكان آخر.

    وأما في العالم كما هو، فلن يكون أي مما ذكرنا حقيقياً، وعلينا أن نجد طريقة لتطوير مصالحنا دون خداع قيمنا وأصدقائنا.

    • كان الرئيس السابق، باراك أوباما، صائباً عندما قال في أول حملة انتخابية له إن «حرب أفغانستان يجب أن ننتصر فيها، لأن الخسارة لن تُظهر فقط مدى ضعفنا وقلة حيلتنا، وإنما ستكون تأكيداً على صحة استراتيجية الإرهابيين».

    برت ستيفنز - كاتب رأي في صحيفة «نيويورك تايمز»

    طباعة