المذبحة المالية جراء الوباء ستترك ندوباً عميقة على الاقتصاد العالمي

رؤى مختلفة لما سيبدو عليه العالم بعد «كورونا»

صورة

كيف سيبدو الاقتصاد العالمي بعد جائحة فيروس كورونا؟ وهل سيغير هذا الوباء النظام الاقتصادي والمالي العالمي إلى الأبد؟ فبعد أسابيع عدة من عمليات الإغلاق، والخسائر المأساوية في الأرواح، وإغلاق جزء كبير من الاقتصاد العالمي، تدور في أذهاننا هذه الأسئلة، ونتساءل: هل ستتم إعادة فتح الأعمال وسنعود الى وظائفنا؟ هل سنسافر مرة أخرى؟ هل سيكون تدفق الأموال من البنوك المركزية والحكومات كافياً لمنع حدوث ركود عميق ودائم في الاقتصاد العالمي، أم أن هناك ما هو أسوأ؟ وفي خضم هذه التساؤلات هناك أمر مؤكد: سيؤدي الوباء إلى تحولات دائمة في القوة السياسية والاقتصادية بطرق لن تظهر إلا لاحقاً. ولمساعدتنا على فهم طبيعة التحوّل القادم، استطلعت مجلة «فورين بوليسي» آراء تسعة مفكرين بارزين، من بينهم اثنان من الاقتصاديين الحائزين جائزة نوبل، لمعرفة توقعاتهم للنظام الاقتصادي والمالي بعد الوباء.


هناك تغييرات أساسية تحدث من وقت لآخر - غالباً خلال أوقات الحرب - وعلى الرغم من أن العدو أصبح الآن فيروساً وليس قوة أجنبية، فقد خلق جواً مثل زمن الحرب تبدو التغييرات الأساسية ممكنة فجأة. هذا الجو، الذي يذخر بقصص المعاناة والبطولة يشبه زمن الحرب، حيث يتكاتف الناس معاً ليس فقط داخل البلد، ولكن أيضاً بين البلدان المختلفة لمحاربة عدو مشترك. يمكن لأولئك الذين يعيشون في البلدان المتقدمة أن يشعروا بمزيد من التعاطف مع أولئك الذين يعانون في البلدان الفقيرة، لأن جميعهم يتشاركون تجربة مماثلة. هذا الوباء يجمعنا أيضاً في لقاءات لا حصر لها على الإنترنت، وفجأة بدا العالم أصغر وأكثر حميمية.

هناك أيضاً سبب للأمل في أن يفتح الوباء نافذة على إيجاد طرق ومؤسسات جديدة للتعامل مع المعاناة، بما في ذلك اتخاذ تدابير أكثر فاعلية لوقف الاتجاه نحو مزيد من عدم المساواة. ربما تكون المدفوعات الطارئة للأفراد التي دفعها العديد من الحكومات هي أسلوب جديد لدخل أساسي عالمي. في الولايات المتحدة، ربما يكون التأمين الصحي قد اتخذ منحى أفضل وأكثر شمولاً. وبما أننا جميعاً نخوض هذه الحرب، فقد يتوافر لدينا الآن الدافع لبناء مؤسسات دولية جديدة، تساعد بشكل أفضل على درء المخاطر بين البلدان. وعندما يتلاشى جو الحرب مرة أخرى، ستظل هذه المؤسسات الجديدة مستمرة في العمل.

روبرت جي شيلر - أستاذ الاقتصاد بجامعة ييل، وحائز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2013.


اعتاد الاقتصاديون السخرية من دعوات بلدانهم بتبني سياسات الأمن الغذائي والطاقة. ويجادل هؤلاء الاقتصاديون بأنه في عالم العولمة لا توجد مشكلة مع الحدود، ويمكننا دائماً اللجوء إلى بلدان أخرى إذا حدث شح في شيء ما في بلدنا. الآن، أصبحت الحدود مهمة، حيث أغلقت البلدان حدودها فجأة وبقسوة، وتكافح من أجل الحصول على الإمدادات. جاءت أزمة «كورونا» لتذكرنا بقوة أن الوحدة السياسية والاقتصادية الأساسية لاتزال تكمن داخل الدولة.

ولكي نبني سلاسل توريد ذات فاعلية، بحثنا في جميع أنحاء العالم عن المنتج الأقل كُلفة. لكننا كنا قصيري النظر، لأننا ظللنا ننشئ نظاماً غير مرن بشكل واضح، ومتنوعاً بشكل غير كافٍ، وعرضة للانقطاعات، ونرى الآن النظام محطماً أمام أعيننا بسبب هذا الاضطراب غير المتوقع.

كان يجب أن نتعلم الدرس من الأزمة المالية في عام 2008. لقد أنشأنا نظامًاً مالياً مترابطاً، بدا فعالاً وربما جيداً في امتصاص الصدمات الصغيرة، لكنه ظهر هشاً بشكل منهجي. ولولا حزم الإنقاذ الحكومية الضخمة، لكان النظام قد انهار مع انفجار فقاعة العقارات، ومن الواضح أن هذا الدرس انتهى قبل أن نفقهه.

ينبغي أن يكون النظام الاقتصادي الذي سننشئه بعد هذا الوباء أكثر فعالية ومرونة وأكثر فهماً لحقيقة أن العولمة الاقتصادية تجاوزت العولمة السياسية بكثير. لكل ذلك، سيتعين على البلدان أن تحقق توازناً أفضل بين الاستفادة من العولمة واعتمادها على الذات.

جوزيف ايي ستينغلتز - أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، وحائز جائزة نوبل 2001 في الاقتصاد.


على مدى بضعة أسابيع فقط، تكشفت أمامنا سلسلة مثيرة من الأحداث - الخسائر المأساوية في الأرواح، وسلاسل التوريد العالمية المشلولة، وشحنات الإمدادات الطبية المتقطعة بين الحلفاء، وأعمق انكماش اقتصادي عالمي منذ الثلاثينات من القرن الماضي - ما كشف نقاط الضعف في سياسة الحدود المفتوحة. قد يقيّم الناس بأنفسهم مخاطرهم الفردية، ويقررون الحد من السفر إلى أجل غير مسمى، ما سيؤثر في 50 عاماً من الحراك الدولي المتزايد.

إذا كان الدعم للاقتصاد العالمي المتكامل في انخفاض بالفعل قبل ظهور «كورونا»، فمن المحتمل أن يسرع الوباء من إعادة تقييم تكاليف وفوائد العولمة. لقد شهدت الشركات التي هي جزء من سلاسل التوريد العالمية بشكل مباشر، المخاطر الكامنة في ترابطها المتبادل، وخسائرها الكبيرة الناجمة عن عدم توافر الإمدادات. في المستقبل، من المرجح أن تأخذ هذه الشركات في الاعتبار هذه المخاطر، ما يؤدي إلى سلاسل توريد أكثر محلية وقوة، ولكن أقل عالمية.

ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي هو أن هذا التحوّل الذي يركز على الذات، بعيداً عن العولمة، من قبل الشعوب والشركات سيتضاعف جراء ما يفعله بعض صانعي السياسات، الذين يستغلون المخاوف بشأن الحدود المفتوحة. ويمكنهم فرض قيود حمائية على التجارة تحت غطاء الاكتفاء الذاتي، وتقييد حركة الأشخاص بحجة الصحة العامة. الأمر الآن في أيدي الزعماء العالميين لتفادي هذه النتيجة وللحفاظ على روح الوحدة الدولية التي دعمتنا بشكل جماعي لأكثر من 50 عاماً.

غيتا غوبيناث - كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي.


بشرت الحرب العالمية الأولى والكساد الاقتصادي العالمي في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي بزوال حقبة سابقة من العولمة. وبصرف النظر عن عودة الحواجز التجارية وضوابط رأس المال، هناك تفسير مهم لهذا الزوال هو حقيقة أن أكثر من 40% من جميع البلدان في ذلك الوقت دخلت في حالة تخلف عن السداد، ما أدى إلى طرد العديد منها من أسواق رأس المال العالمية، حتى الخمسينات أو بعد ذلك بكثير. وفي الوقت الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية، كان نظام بريتون وودز الجديد يجمع بين القمع المالي المحلي، وضوابط واسعة النطاق لتدفقات رأس المال، مع تشابه ضئيل مع الحقبة السابقة للتجارة والتمويل العالميين، وعليه قد تكون فترات الركود الناجم عن الوباء عميقة وطويلة - كما هي الحال في الثلاثينات من القرن الماضي - فمن المرجح أن يزداد التخلف عن السداد في السندات السيادية.

واجهت دورة العولمة الحديثة سلسلة من الضربات منذ الأزمة المالية 2008-2009: أزمة الديون الأوروبية، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وصعود الشعبوية في العديد من البلدان التي تحبذ التحيز أكثر للمحلية.

إن جائحة الفيروس هي أول أزمة منذ ثلاثينات القرن الماضي، تجتاح الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء. وقد تطول وتتعمق فترات ركودها. وكما هي الحال في ثلاثينات القرن الماضي، من المرجح أن تتزايد الدعوات إلى تقييد التجارة وتدفقات رأس المال. ومن المحتمل أن تستمر الشكوك حول سلاسل التوريد العالمية، وسلامة السفر الدولي، وعلى المستوى الوطني تتزايد المخاوف بشأن الاكتفاء الذاتي في الضروريات والمرونة، حتى بعد السيطرة على الوباء، قد لا تعيدنا البنية المالية لما بعد الفيروس جميعاً إلى عهد بريتون وودز قبل العولمة، ولكن من المحتمل أن يكون الضرر الذي لحق بالتجارة والتمويل الدوليين واسعاً ودائماً.

كارمن م. رينهارت - أستاذة التمويل الدولي بمدرسة هارفارد كيندي، ومؤلفة كتاب «هذا الوقت مختلف: ثماني دول ترتكب حماقات تمويلية».


سيؤدي الوباء إلى تفاقم أربعة ظروف موجودة مسبقاً في الاقتصاد العالمي. ولكن يمكن إصلاحها من خلال عملية تدخل جراحي كبرى، لكنها ستتحوّل إلى أمراض مزمنة ومدمرة في غياب هذه التدخلات. أول هذه الظروف هي مزيج من انخفاض نمو الإنتاجية، ونقص عوائد الاستثمار الخاص، والاقتراب من الانكماش. وسيتعمق ذلك بسبب ابتعاد الناس عن المخاطرة وتوفير المزيد من الأموال بعد الوباء، ما سيضعف الطلب والابتكار باستمرار.

ثانياً، سوف تتسع الفجوة بين الدول الغنية (وعدد قليل من الأسواق الناشئة) وبقية العالم في القدرة على الصمود في مواجهة الأزمات، وستؤدي القومية الاقتصادية بشكل متزايد إلى إغلاق الحكومات لاقتصاداتها عن بقية العالم.

ثالثاً، جزئياً من أجل الأمان والمخاطر المحتملة في الاقتصادات النامية، سيظل العالم يعتمد بشكل مفرط على الدولار الأميركي في التمويل والتجارة. حتى في الوقت الذي تصبح فيه الولايات المتحدة أقل جاذبية للاستثمار.

وأخيراً، ستدفع القومية الاقتصادية بشكل متزايد الحكومات إلى إغلاق اقتصاداتها عن بقية العالم. لن يتمخض هذا أبداً عن اكتفاء ذاتي كامل، أو أي شيء قريب منه، ولكنه سيعزز الاتجاهين الأولين ويزيد من الاستياء من الثالث.

آدم بوسين - رئيس معهد بيترسون للاقتصادات الدولية.


هناك سبب للأمل في أن يفتح الوباء نافذة على إيجاد طرق ومؤسسات جديدة للتعامل مع المعاناة، بما في ذلك اتخاذ تدابير أكثر فاعلية لوقف الاتجاه نحو مزيد من عدم المساواة. ربما تكون المدفوعات الطارئة للأفراد التي دفعها العديد من الحكومات هي أسلوب جديد لدخل أساسي عالمي.

جائحة الفيروس هي أول أزمة منذ ثلاثينات القرن الماضي، تجتاح الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء. وقد تطول وتتعمق فترات ركودها. وكما هي الحال في ثلاثينات القرن الماضي، من المرجح أن تتزايد الدعوات إلى تقييد التجارة وتدفقات رأس المال.

روبرت جيه. شيلر:

أتاح لنا هذا الوضع الذي يشبه الحرب نافذة للتغيير

جوزيف إي. ستيغليتز:

نحن بحاجة إلى توازن أفضل بين العولمة والاعتماد على الذات

غيتا غوبيناث:

الخطر الحقيقي هو استغلال السياسيين لمخاوفنا

كارمن م. رينهارت:

مسمار آخر في نعش العولمة

آدم بوسين:

الظروف الحالية للاقتصاد أصبحت أسوأ بسبب الوباء

طباعة