فشل اتفاق التسوية في إرساء الأمن في درعا

الجيش السوري يوسّع سيطرته فـــي ريف إدلب.. وروسيا تعلن وقفاً لإطلاق النار بـدءاً من اليوم

حرس الحدود التركي يطلق قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق حشد من السوريين تجمعوا عند معبر باب الهوى بين تركيا وإدلب. أ.ف.ب

واصل الجيش السوري تقدمه في ريف إدلب، أمس، وأعلن سيطرته على بلدتين وخمس قرى، فيما قال منشقون من الجيش السوري وسكان، إن الجيش السوري وحليفته القوات الروسية، كثفا هجومهما على آخر معقل كبير للمعارضة، بغارات جوية وتعزيزات برية تشمل فصائل مسلحة، وفي وقت أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الجيش السوري سينفذ وقفاً أحادياً لإطلاق النار في مناطق خفض التصعيد في إدلب، بدءاً من اليوم، فشلت تجربة التعايش الفريدة من نوعها بين قوات الجيش السوري والفصائل المعارضة التي استسلمت لها، في إرساء الأمن في محافظة درعا الجنوبية الغارقة في دوامة من التفجيرات والاغتيالات والاعتقالات.

وتفصيلاً، قال مصدر عسكري سوري: «تابعت قواتنا العاملة على اتجاهي ريف إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي عملياتها النوعية، وحتى صباح (أمس) الجمعة، تم تطهير العديد من البلدات والقرى والمزارع والتلال من الإرهاب، وتمت استعادة السيطرة على: الخوين الكبير، وتل غبار، والسكيات، وتل سكيات، والتمانعة، وتل تركي، وتل السيد علي، وتل السيد جعفر، ومزارع التمانعة الغربية والشرقية».

وأضاف المصدر «لاتزال قواتنا العاملة في تلك المنطقة تتابع أعمالها القتالية بتصميم كبير من أجل القضاء على الإرهاب التكفيري أينما وجد على الجغرافيا السورية».

وتسعى القوات الحكومية السورية للسيطرة على مناطق ريف إدلب الشرقي لتأمين طريق حلب حماة.

في المقابل، قال منشقون وسكان إن الجيش السوري وحلفاءه يتوغلون في المنطقة الواقعة على الحدود مع تركيا، وسيطروا على بلدة التمانعة بعد السيطرة في وقت سابق على بلدة خوين وقريتي زرزور ومزارع التمانعة في جنوب إدلب.

وكانت هذه هي المكاسب الأولى منذ أن استولى التحالف، الذي يقاتل متشددين وفصائل معارضة رئيسة مدعومة من تركيا، على جيب رئيس للمعارضين في محافظة حماة القريبة، الأسبوع الماضي.

وأضاف منشقو الجيش والسكان أن الهجوم تلقى تعزيزات من وحدات الحرس الجمهوري، وفصائل مدعومة من إيران.

وقال قائد فصيل «جيش العزة»، العقيد مصطفى بكور، لوكالة «رويترز»: «هناك تعزيزات يومية تأتي إلى الجيش السوري من الإيرانيين و(حزب الله) وقوات النخبة في الفرقة الرابعة، وبمشاركة من القوات الخاصة الروسية».

ووفقاً لنشطاء يرصدون حركة الطائرات الحربية، ألقت طائرات تحلق على ارتفاع شاهق، ويعتقد أنها روسية، قنابل على مشارف مدينة إدلب المكتظة بالسكان وعاصمة المحافظة.

ونقلت وكالة تاس الروسية للأنباء، أمس، عن وزارة الدفاع قولها إن قوات الحكومة السورية ستوقف إطلاق النار من جانب واحد في منطقة خفض التصعيد في إدلب صباح اليوم (أمس).

وجاء في بيان صادر عن المركز الروسي للمصالحة في سورية أنه تم التوصل إلى اتفاق «لوقف إطلاق النار أحادي الجانب من قبل القوات الحكومية السورية اعتباراً من الساعة 6:00 في 31 أغسطس»، داعياً المجموعات المسلحة في المنطقة إلى الالتزام به. ولم تكشف الوزارة الروسية مدة وقف إطلاق النار.

واتفقت تركيا وروسيا وإيران عام 2017 على جعل إدلب منطقة «لخفض التصعيد»، لتقليل الأعمال القتالية، على الرغم من عدم إعلان شروط الاتفاق، كما أنه لا يشمل الجماعات المتشددة.

وذكر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، هذا الشهر أن موسكو تنشر عسكريين على الأرض في إدلب.

وقالت مصادر مخابرات غربية إن موسكو أرسلت في الأسابيع القليلة الماضية المزيد من القوات الخاصة التي ساعدت في كسر جمود دام شهوراً على جبهات القتال، حيث أوقفت الفصائل المسلحة تقدم الجيش.

وتآكلت مقاومة الفصائل المسلحة أمام حملة قصف جوي بلا هوادة على المناطق المدنية منذ أواخر أبريل، والتي تسببت في تدمير عشرات المستشفيات والمدارس ومراكز الدفاع المدني، ما أصاب مظاهر الحياة بالشلل في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

وتنفي موسكو ودمشق استهداف المدنيين، وتقولان إنهما تردان على الهجمات المسلحة التي تشنها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، وهي القوة المهيمنة في إدلب.

وتقول مصادر في المعارضة إن مئات الجنود من الحرس الجمهوري، الذي يقوده ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار الأسد، انتشروا على خطوط القتال في جنوب إدلب.

وقال منشق عن الجيش ومصدران كبيران بالمعارضة، إن التقدم السريع الذي تحقق في الأسابيع القليلة الماضية يعود لتشكيلة جديدة من القوات المدعومة من روسيا.

وقال بكور «انتقل الروس الآن للاعتماد على قوات النخبة والإيرانيين في هذه الحملة»، مشيراً إلى أن هذا كان بمثابة تحول عن الاعتماد على ما يسمى بـ«قوات النمر»، التي كانت تتقدم في السابق معظم القوات البرية للجيش السوري.

وفي أوسلو، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أمس، إن روسيا أكدت لأنقرة أن نقاط المراقبة التابعة لها في شمال غرب سورية لن تتعرض لهجمات.

واحتج مئات السوريين الغاضبين من القصف الروسي والسوري قرب معبر باب الهوى على الحدود مع تركيا، مطالبين أنقرة بالتدخل لوقف الهجوم المدعوم من موسكو. وقال شهود إن قوات الأمن التركية استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، الذي حاولوا العبور للجانب التركي من الحدود.

من ناحية أخرى، فشلت تجربة التعايش الفريدة من نوعها بين قوات الجيش والفصائل المعارضة في إرساء الأمن في محافظة درعا الجنوبية، التي كانت مهد الاحتجاجات ضد الحكومة السورية، ومنها انطلقت التظاهرات التي طالبت بإسقاط الحكومة في 2011. ووضع اتفاق تسوية رعته موسكو حداً للعمليات العسكرية بين قوات الجيش والفصائل المعارضة، ونصّ الاتفاق على أن تسلم الفصائل سلاحها الثقيل، لكن بقي عدد كبير من عناصرها في مناطقهم على عكس ما حصل في مناطق أخرى استعادها الجيش. واحتفظوا بأسلحة خفيفة، فيما لم تنتشر قوات الجيش في كل أنحاء المحافظة، إلا أن الاتفاق فشل في إرساء الاستقرار، إذ عمّت الفوضى أكثر، وتزداد الاغتيالات والتفجيرات يوماً بعد يوم.

وغادر بضعة آلاف من مقاتلي المعارضة والمدنيين في صيف 2018 درعا التي جنبها الاتفاق الدمار الكامل، رفضاً للتسوية، لكن الجزء الأكبر من مقاتلي الفصائل وافق على الاتفاق. ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال الأشهر الأخيرة، وبشكل شبه يومي، تفجيرات أو عمليات إطلاق نار ضد قوات الجيش، أو اغتيالات طالت موالين أو معارضين سابقين، بينها أكثر من 60 عملية منذ يونيو.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة في مايو، «تطال الاغتيالات مقاتلين وافقوا على التسوية أو مدنيين عادوا إلى العمل لدى المؤسسات الحكومية».

وباستثناء هجوم انتحاري أوقع ستة قتلى من قوات الجيش في يوليو الماضي، وتبناه تنظيم «داعش»، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن عشرات الهجمات والاغتيالات. ورغم ذلك، يطلق البعض على منفذيها تسمية «الثوار» أو «المقاومة الشعبية»، في ظل حالة من الفوضى الأمنية التي تعود إلى «تعدد السيطرة بين الأطراف وانتشار السلاح».

طباعة