ماذا لو عادت حصص المهارات الحياتية لتكون جزءاً أساسياً من يوم الطالب

مريم ماجد بن ثنية

حين كنا طلاباً كانت هناك حصص لا تغادر الذاكرة: التدبير المنزلي الذي علّمنا الطبخ، والخياطة التي عرّفتنا إلى قياس القماش وقصّه وإتقان الغرز. لم تكن أنشطة هامشية، بل تجارب كوّنت فينا مهارات بقي أثرها حتى اليوم، فكلما أصلحنا شيئاً بأيدينا بدلاً من الاستغناء عنه، أدركنا قيمة ما تعلمناه في سنواتنا الأولى.

واليوم، لم يعد مفهوم المهارات الحياتية مقتصراً على الطبخ والخياطة، بل يمكن أن يشمل أساسيات السباكة والنجارة والزراعة، وصناعة قطعة أثاث صغيرة، وإصلاح الخشب، وتعليق لوحة، وإدارة الوقت والمال، كما يمتد إلى إعادة الاستخدام والتدوير، كما تجسّده مبادرة «نسيج» الإماراتية التي تمنح الملابس القديمة حياة جديدة بدلاً من التخلص منها.

لكن القيمة الأعمق لهذه الحصص لا تكمن فقط في ما يتعلم الطالب إنجازه بيديه، بل في ما تصنعه داخله، فعندما يقيس ويخطط ويجرّب ويخطئ ثم يعيد المحاولة، يتعلم الصبر والدقة وحل المشكلات، ويكتسب ثقة عملية بقدرته على الإنجاز، وحين يعمل مع زملائه يتعلم التعاون وتقاسم المسؤولية واحترام جهد الآخرين.

وتشير دراسات طولية بريطانية، استعانت بها تحليلات لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى ارتباط المهارات التي تتشكل في الطفولة بمسارات لاحقة تشمل التحصيل والعمل والدخل والصحة النفسية والرضا عن الحياة. وهذا يدعونا إلى النظر إليها باعتبارها استثماراً تربوياً يستند إلى المعرفة، لا مجرد حنين إلى تجربة مدرسية سابقة؛ فالمهارة اليدوية البسيطة تغيّر طريقة التفكير: عندما يتلف شيء، لا يكون السؤال الأول «كيف أتخلص منه؟»، بل «كيف أصلحه؟». وإن غابت المعرفة، يصبح البحث عنها وتعلمها بديلاً عن الاستسلام.

وقد تمتد عقلية الإصلاح إلى نظرة الإنسان لعلاقاته الأسرية والاجتماعية وعلاقته بالعمل؛ فمن اعتاد فهم الخلل ومحاولة معالجته، يكون أقرب إلى الحوار والصبر وتحمل المسؤولية، وأبعد عن التسرع في التخلي والإنهاء. والمقصود هنا ليس مساواة الأشياء بالعلاقات، بل ترسيخ قيمة المثابرة، ومنح ما يستحق فرصة واعية للإصلاح.

إن إعادة هذه الحصص إلى مناهجنا ليست عودة إلى الماضي، بل استعداد للمستقبل؛ فهي تسهم في بناء جيل أقل استهلاكاً وهَدراً، وأكثر استقلالاً ومبادرة وارتباطاً بمجتمعه. جيل لا ينتظر الحلول دائماً، بل يثق بقدرته على التعلم والعمل وصناعة الحل.

فالمهارات الحياتية لا تعلّم الطفل كيف يصنع شيئاً فحسب، بل تعلّمه كيف يصنع نفسه، ويصون علاقاته، ويسهم بوعي ومسؤولية في بناء مجتمعه في مختلف مراحل حياته القادمة كلها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

تويتر