لغة لا تُقال.. بل تُفهم
في البيئات التربوية الدامجة، يواجه المعلمون والأخصائيون سلوكاً لغوياً يثير التساؤل: الإيكولاليا، ذلك التكرار الصوتي الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد صدى بلا معنى. لكن القراءة التربوية العميقة تكشف أن هذا الصدى ليس فراغاً لغوياً، بل محاولة تواصلية تحمل دلالات معرفية وانفعالية تستحق الإصغاء.
عندما يكرّر الطفل عبارةً سمعها، فهو لا يعيدها عبثاً؛ بل يستخدمها كأداة لفهم السياق، أو لطلب دعم، أو لتأكيد معنى لم يستطع التعبير عنه بطريقة أخرى. هنا يظهر دور المعلم الواعي الذي لا يكتفي بوصف السلوك، بل يسعى إلى تفسيره تربوياً عبر فهم وظيفته، وهو ما يُعرف بـ«الاستدلال الإكلينيكي». التكرار الفوري قد يشير إلى رغبة في التواصل، بينما التكرار المتأخر قد يعكس معالجة لغوية أو استرجاعاً لموقف سابق.
إن التعامل مع الإيكولاليا بوصفها لغة بديلة يفتح باباً جديداً نحو تعليم أكثر إنسانية، فبدلاً من محاولة إيقاف التكرار، يمكن توظيفه لبناء معنى، وتوسيع المفردات، وتعزيز التفاعل.
عندما يكرر الطفل سؤالاً مثل: «ما اسمك؟»، فهو لا يرفض الإجابة، بل يبحث عن وضوح أو يطلب نموذجاً لغوياً يساعده على صياغة ردّه.
إن الإيكولاليا ليست عائقاً، بل نافذة تربوية تكشف كيف يفكر الطفل وكيف يتعامل مع العالم.
وكل تكرار هو رسالة تحتاج إلى من يفهمها، لا من يصححها فقط. وهنا يصبح دور المعلم ليس تعليم الكلمات، بل فهم ما وراءها.
لذا يجب أن نتعامل مع الإيكولاليا بوصفها فرصة تعليمية نستخدمها لتوسيع اللغة، ولتقديم نماذج تواصلية واضحة، ولتعزيز الفهم الاجتماعي، كما ينبغي تدريب المعلمين على تحليل وظائف التكرار بدلاً من الاكتفاء بملاحظته، لأن الفهم الدقيق للسلوك هو ما يوجّه التدخل التربوي الصحيح.
وحقيقة، إن بناء بيئة آمنة، صبورة، ومتقبّلة يتيح للطفل أن يعبّر بطريقته، وأن ينتقل تدريجياً من التكرار إلى لغة ذات معنى، فكل كلمة يعيدها هي خطوة نحو التواصل، وكل صدى يحمل رسالة تنتظر من يفكّ شفرتها.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.