ورقة منسية!

*محكم ومستشار قانوني

محمد نجيب*

من المواقف المتكررة أن يطلب منك صديق أو قريب أو شريك أن توقّع على إقرار أو تعهد يتعلق بالتزام عليه، فتتعامل مع الأمر باعتباره مجرد مساعدة عابرة، خصوصاً إذا كان الشخص يؤكد لك أن المسؤولية في النهاية تقع عليه، وأن توقيعك لن يتجاوز حدود الإجراءات المطلوبة.

والواقع أن الأوراق لا تتعامل مع النوايا بطريقة العلاقات الإنسانية نفسها، فما قد تفعله بداعي الصداقة أو المجاملة ربما يتحوّل لاحقاً إلى التزام قانوني، وما تراه مجرد ضمان لشخص تثق به قد يقودك إلى المحكمة حين تتعثر العلاقة الأصلية، أو ينشأ خلاف حول الدين أو العقد أو المبلغ المستحق.

أهمية هذه المسألة تظهر في دعوى حديثة نظرت فيها المحكمة إقراراً عرفياً وقّع عليه شخص يضمن بموجبه سداد مبالغ قد يحكم بها مستقبلاً على صديق له في نزاع قضائي.

المدعي الذي حصل على الإقرار في هذه القضية تقدّم إلى المحكمة بطلب اعتماد صحة ونفاذ الإقرار الصادر عن المدعى عليه لأن الأخير وقّع عليه بإرادته الحرة لكنه لم يكن موثقاً رسمياً، وهكذا وجد نفسه أمام القضاء وانتهت المحكمة إلى صحة الإقرار، ولاتزال هناك دعوى أخرى سارية لإثبات الاستحقاق المالي المترتب عليه بموجب ضمانته لصديقه.

ومن واقع قانوني، يجب أن تسأل نفسك دائماً قبل التوقيع على إقرار أو تعهد أو ضمان يتعلق بالتزام شخص آخر، ما الالتزام الذي تتحمله؟ هل هو مبلغ محدد، وهل يوجد سقف واضح للمسؤولية، ومتى يبدأ الالتزام، ومتى ينتهي، ومن يحق له مطالبتك، وماذا يحدث إذا نشأ نزاع قانوني؟ لأن الورقة التي تبدو بسيطة عند توقيعها قد تصبح محور نزاع قضائي بعد سنوات.

من المهم أن تدرك أن المشكلة الحقيقية ليست في أن تساعد شخصاً تثق به، لكن تحدث حين توقّع بحسن نية على ورقة دون أن تدرك ما الذي وقّعت عليه، فربما لا يُستحق عليك شيء اليوم، أو غداً أو حتى بعد سنوات تنسى خلالها الورقة، إلى أن تقع مشكلة في العلاقة الأصلية بين الطرفين، وتبدأ المطالبات ويطاردك الماضي من خلال توقيع لم تتخيّل يوماً أن يرتد عليك.

وقد يكون من المفيد أن تسأل نفسك أيضاً سؤالاً بسيطاً، ماذا لو حدث خلاف بيني وبين من أضمنه؟ العلاقات قد تتغير، والظروف المالية قد تتبدل، وما كان مطمئناً وقت التوقيع قد يبدو مختلفاً تماماً عند المطالبة. لذلك، لا تجعل الثقة وحدها بديلاً عن معرفة حدود مسؤوليتك.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر