والله ما أتقاعد!

*إعلامي

عيسى عبدالله الزرعوني*

«ما جمعته في أربع سنوات في السوق، لم أجمعه في 25 عاماً في الوظيفة»، قالها لي متقاعد بعد دخوله القطاع الخاص، لم تتغير خبرته؛ تغيّر من يدفع ثمنها، فالوظيفة صنعت خبرته، لكن السوق لم يرها إلا بعد التقاعد. كان يعرف أين تتعطل المشروعات، وكيف تُحل، وما يستغرق شهوراً يستطيع تشخيصه في ساعة.

وليس السؤال كيف ربح، بل لماذا انتظر التقاعد ليعرف سعره في السوق؟

نربط دخل الموظف بوظيفة واحدة 25 عاماً، ثم نستغرب حين يقول: «والله ما أتقاعد!»، هو لا يخاف من التقاعد، بل من انقطاع المشتري الوحيد لخبرته.

والحل ليس أن نقول له: استقلّ وشمّر، ولا أن نطالبه بتحويل عقده إلى جزئي، ثم نتركه يبحث عن عميل. هذه شجاعة مجانية، وفواتيرها تصل إلى بيته. الحل أن يختبر السوق وهو لايزال آمناً.

ابدأ بما تعرفه: دورة بعد الدوام، استشارة لمشروع لا يتعارض مع وظيفتك، أو عمل تجاري تبنيه بهدوء، بعد الموافقات اللازمة، فالسوق لا يشتري درجتك ولا سنوات خدمتك؛ يشتري قدرتك على حل مشكلة.

وإذا أصبح لديك مشروع حقيقي، فهناك إجازة التفرغ للعمل الحر للموظف الاتحادي المواطن: سنة تحتفظ خلالها بوظيفتك ونصف راتبك، وفق الشروط وموافقة الجهة.. تذهب إلى السوق وفي يدك مشروع، لا استقالة ولا حلم.

ثم يأتي دور الجهات الاتحادية في تفعيل المرونة الحالية، فالدوام الجزئي قائم، ومنذ أغسطس 2026 أصبح المواطنون العاملون جزئياً مشمولين بالمعاشات. والمطلوب مسار انتقالي مؤقت وقابل للعودة: أربعة أيام في الحكومة ويوم في السوق، ثم ثلاثة أيام في الحكومة ويومان في السوق لمن أثبت أن لخبرته سوقاً، ويُحتسب راتبه بقدر أيام عمله، على أن يبيع خبرته، لا نفوذه، ومعرفته، لا أسرار الجهة.

والطريف أننا قد نحجب هذا الخبير عن السوق، ثم نشتري الخبرة نفسها من بيت استشاري أجنبي؛ فتعود إلينا في عرض «باوربوينت»، وفاتورة من ستة أرقام!

هدفنا ليس جرّ الموظف إلى التقاعد، بل أن يصل إليه وهو صاحب القرار، يومها لن يختلق 200 حجة للبقاء؛ قد يطلب هو التقاعد المبكر، لأنه يعرف أن لخبرته مشترين آخرين، فالتقاعد لا يخيف من عرف سوقه؛ بل يخيف من أمضى عمره كله أمام مشترٍ واحد.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر