حين تصبح القصة ذاكرة مدينة

* كاتب وروائي إماراتي

*عبدالله النعيمي

في كل مرة يطلب مني أحد الأصدقاء العرب توصيات لمجموعات قصصية تعبّر عن المجتمع الإماراتي، وتفاصيل الحياة في دبي تحديداً، أرشده مباشرة إلى المجموعات القصصية الكاملة للكاتب والأديب الكبير محمد المر.

وهي مجموعات قصصية كتبها المر، خلال حقبتَي الثمانينات والتسعينات، ثم جمعها في مجلدات كاملة، ليأخذ أجيالاً كاملة من القرّاء في رحلة متأنية داخل البيوت والفرجان الإماراتية، حيث الناس كما هم؛ بعلاقاتهم اليومية، وعاداتهم، ومجالسهم، وطرائق تفكيرهم، وأحلامهم الصغيرة، ومفارقات حياتهم التي لم تكن تجد دائماً طريقها إلى الكتب.

تكمن فرادة محمد المر في أنه لم يتعامل مع دبي بوصفها مدينة تتغيّر فحسب، بل بوصفها كائناً حياً يكبر أمام عينيه، واستطاع بموهبة لافتة أن يلتقط اللحظة التي بدأت فيها الحياة الإماراتية تنتقل من بساطتها القديمة إلى عالم جديد، وأن يرصد ما تركه قيام الاتحاد من تحولات عميقة في الإنسان والمكان والعلاقات الاجتماعية.

لم يكن تطور الإنسان في قصص المر مجرد إطار زمني يقع في الخلفية؛ بل كان حاضراً في تفاصيل الحياة نفسها. في البيت الذي يتغيّر، والشارع الذي يتسع، والوظيفة الجديدة، والمدرسة، والسفر، والسيارة، والمال، وطموحات الجيل الجديد، وفي ذلك التوتر الخفي بين ذاكرة المكان القديم وإيقاع المدينة الحديثة.

وهنا تحديداً تكمن فرادة تجربته، فالمر لم يكتب تاريخ دبي، ولم يحاول أن يؤرشفها بصورة مباشرة، وإنما فعل شيئاً أكثر أهمية: كتب حياة أهلها. ومن خلال الحياة اليومية، حفظ لنا صورة مدينة كانت تعبر، بسرعة مذهلة، من زمن إلى زمن.

ولهذا تبدو قصصه اليوم أبعد من كونها أدباً عن مرحلة مضت؛ إنها وثيقة إنسانية شديدة الشفافية عن الإمارات في العقود الأولى من تأسيسها، وعن مجتمع كان يعيد اكتشاف نفسه، فيما كانت مدنه تعيد تشكيل ملامحها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر