المتلقي المختلف
من السهل أن نفسر اختلاف الناس باختلاف البيئات التي نشأوا فيها، أو المدارس التي تعلموا بها، أو الكتب التي قرأوها، أو المعلمين الذين أخذوا عنهم، لكن السؤال الأعمق والأكثر إرباكاً هو: لماذا يختلف الناس أحياناً على الرغم من وحدة المصدر؟ كيف ينشأ أبناء في البيت الواحد، ويستمعون إلى التوجيه ذاته، ويتلقون القِيَم نفسها، ثم يخرج أحدهم صالحاً متوازناً، وآخر سلبياً لا يحمل من التربية إلا ظاهرها، وثالث منحرفاً، ورابع متشدداً يرى العالم من ثقب ضيق؟
هذه الإشكالية لا تتعلق بالمنهج المدرسي وحده، ولا بالبيت وحده، ولا بالمعلم وحده، بل بطبيعة التلقي ذاتها، فالمعلومة حين تخرج من مصدرها لا تصل إلى العقول كما خرجت؛ لأنها تمر عبر نفسية المتلقي، واستعداده، وتجربته، وخوفه، وجرحه، وطموحه، وحاجته إلى الاعتراف أو الانتماء.
الكلمة نفسها قد تكون نوراً في قلب إنسان، وحجة قاسية في يد آخر، وعبئاً نفسياً عند ثالث، وصوتاً عابراً لا يترك أثراً عند رابع.
ولذلك، فالمصدر الواحد لا يعني أثراً واحداً.
غير أن هذا لا يعني تبرئة المصدر دائماً أو إدانته دائماً، فالمصدر الرديء يزيد احتمالات الانحراف، والمصدر الجيد يرفع فرص الصلاح.
ومن هنا يصبح التفريق مهمّاً بين الفهم والتأويل والاستجابة.
الفهم هو ما وصل إلى العقل، والتأويل هو الطريقة التي فسر بها الإنسان ما وصل إليه، أما الاستجابة فهي السلوك الذي نتج عن ذلك كله. قد يفهم شخصان النص ذاته، لكن أحدهما يؤوله رحمة، والآخر يؤوله صداماً، وثالثا يحفظه من دون أن يتحول عنده إلى سلوك. ولهذا فإن قياس أثر التربية لا يكون فقط بسؤال: ماذا يعرف الأبناء والطلاب؟ بل بسؤال أكثر أهمية: ماذا فعلت هذه المعرفة في عقولهم وضمائرهم وسلوكهم؟
ولعل أخطر ما في التشدد والانحراف أنهما لا يولدان دائماً من فراغ معرفي ظاهر.. فقد يتشدد إنسان لأنه يبحث عن يقين مطلق في عالم معقد، أو لأنه يجد في القسوة شعوراً زائفاً بالتفوق الأخلاقي، وقد ينحرف آخر لأنه يشعر بالرفض، أو يبحث عن لذة عاجلة.
العلاج يبدأ حين ننتقل من ثقافة الإرسال إلى ثقافة التلقي؛ من سؤال «ماذا قلنا؟» إلى سؤال «كيف فهموا؟»، نحتاج إلى تربية تعلّم الإنسان كيف يسأل، ويختلف من دون أن يكره، ويؤمن من دون أن يتعالى، ويطيع القانون من دون أن يفقد قدرته على التفكير.
إن خطورة التربية تكمن في أن نظن أن الكلام الصالح يصل إلى الجميع صالحاً كما خرج من أفواهنا، وأن نتجاهل أن الرسالة الواحدة لا تدخل العقول من الباب نفسه، ولا تخرج منها بالأثر نفسه، ومن هنا تبدأ الحاجة إلى مشروع تربوي أعمق، لا يكتفي بسلامة الخطاب، بل ينشغل قبل ذلك وبعده بسلامة التلقي.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.