حين نندم على حياة لم نعشها

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

لا يزورنا الندم دائماً بسبب كلمة قلناها أو طريق سلكناه، فأشد ألوانه قد يأتي من رسالة لم نرسلها، أو اعتذار لم نصرح به، أو سفر أجّلناه حتى فات أوانه. وبعد أعوام لا نسأل: لماذا فعلت؟ بقدر ما نسأل: لماذا لم أفعل؟.

الندم يبني إلى جوار حياتنا حياة متخيلة، ننظر إلى ما وقع، ثم نتصور ما كان سيقع لو اخترنا طريقاً آخر. ويشير باحثون إلى أن الإنسان يندم أولاً على ما فعله، لكنه مع مرور السنين يندم أكثر على ما لم يفعله. فالخطأ يمكن إصلاحه باعتذار أو تعويض. أما الفرصة الضائعة فتبقى مفتوحة في الخيال: حب سعيد، أو مهنة ناجحة، أو صداقة تغير العمر.

وقد اختصرت الثقافة العربية هذا الإحساس في كلمة ليت. يقول أبوالعتاهية: «ألا ليتَ الشباب يعود يوماً :: فأخبره بما فعل المشيب». إنه يندم على زمن لم يعرف قيمته. ويتردد المعنى في أغنياتنا: «يا ريت اللي جرى ما كان»، و«فات الميعاد». فالندم في المخيال العربي باب أغلقه الزمن ونصيب لم يكتمل. وقد تكون كلمة «المكتوب» حماية من سؤال موجع: هل ضاعت الفرصة بفعل الظروف، أم لأنني خفت من طرق الباب؟

أما في الثقافة الأميركية فيظهر الندم ضمن خطاب الاختيار والفرصة الثانية. يقول المثل: «لا تبكِ على اللبن المسكوب»، وكأن الماضي حادث ينبغي تجاوز آثاره. وفي أغنية فرانك سيناترا My Way يعلن صاحبها أنه عاش «على طريقته»، صورة الإنسان الذي يريد أن يكون مؤلف سيرته.

لكن الأدب الغربي أكثر شكاً، ففي قصيدة لروبرت فروست يقف المسافر أمام طريقين ويختار أحدهما، عالماً أنه لن يعود إلى الآخر. إنه تأمل في استحالة أن نحيا حياتين ونقارن بينهما، فكل اختيار يلد شبحاً اسمه «الطريق الذي لم نسلكه».

وهنا يلتقي فروست بأبي العتاهية، الأول ينظر إلى طريق تركه، والثاني إلى شباب لن يعود. كلاهما يدرك أن الإنسان مضطر إلى اختيار حياة واحدة.

إذا ندمت لأنك لم تقل «أخطأت.. سامحني»، فقلها لمن لايزال حاضراً، فالحكمة أن نحول «ليتني فعلت» من مرثية للماضي إلى وعد للمستقبل، فما دمنا أحياء تظل بعض الأبواب قابلة للطرق قبل فوات الميعاد.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر