قميص لم يتخرج

*إعلامي

عيسى عبدالله الزرعوني*

كان قميص المدرسة يصل إلى البيت قبل الفاتورة.

أتذكر جيداً كيف كانت وزارة التربية تسلّم الطالبات قطعة قماش، يحملها أهلهن إلى الخياط، فيفصّلون منها مريولين أو ثلاثة.

لم تكن قيمة تلك القطعة تُقاس بثمنها، بل بما تركته في ذاكرة جيل كامل؛ كان العام الدراسي يبدأ بفرحته، لا بعبئه.

اليوم تصل الفاتورة قبل القميص. اختفت قطعة القماش، وهذا طبيعي؛ فلا أحد يطالب المدارس الخاصة بأن توزّع الزي مجاناً. لكن غير الطبيعي أن يختفي معها حق الاختيار.

وما إن يسأل ولي الأمر عن السعر حتى تبدأ رحلة القميص بين التفسيرات: المدرسة تشير إلى المورّد، والمورّد يتحدث عن الخامة والمواصفات، وتدور المسؤولية بين جهات عدة. الجميع يملك تفسيراً؛ وحده ولي الأمر مضطر إلى الدفع.

وحين تبلغ كلفة الزي في بعض المدارس الخاصة 5000 درهم، لا يعود السؤال عن نوع القماش؛ بل عمّن وضع السعر، وعمّن راجعه. فالزي الحكومي لا يقترب من هذا الرقم.

وللمدارس والموردين أسبابهم: الخامة والتصميم والتخزين والتوزيع. لكنها أسباب تُشرح لولي الأمر، لا فاتورة مفتوحة تدفعها الأسرة بلا نقاش.

إذن نحن أمام سوق مغلقة تبدأ بمورد مفروض، وتنتهي بسعر لا يمكن مقارنته.

فالمدرسة تحتاج زياً موحداً، لكنها لا تحتاج بالضرورة مورداً واحداً.

منذ عام 2010، تتكرر الشكوى نفسها: سعر يرهق الأسرة، وجودة لا تقنعها، وبديل مطابق لا يُسمح به في بعض المدارس. كبر طلبة 2010 وتخرّج كثير منهم، أما هذا القميص فما زال في صفه الأول.

في المدارس الحكومية والخاصة، المعيار واحد: سعر تحتمله الأسرة، وجودة تبرره، وجهة تحسم الشكوى. أما في بعض المدارس الخاصة، فالبديل المطابق يحقق توحيد الزي من دون أن يقيّد ولي الأمر بمورد واحد.

في الماضي كانت قطعة القماش تكفي لتفصيل أكثر من زي؛ واليوم لا تكفي كثرة الجهات لتفصيل جواب واحد.

فالمشكلة لم تعد في مقاس القميص؛ بل في مسؤولية تبحث عن مقاسها منذ ستة عشر عاماً.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر