شتيمتك لقمة عيشهم

*إعلامي

عيسى عبدالله الزرعوني*

يستفزونك. ينتظرون شتيمتك. ثم يرسلون إليك الفاتورة. يسمونها «لقمة العيش»، وأسميها اتجاراً بغضب المجتمع.

بعض الحسابات لا تقع في الخطأ، بل تصنعه. مرة بإيحاءات تمس الأخلاق، ومرة بالاقتراب من الدين، ومرة بضرب الأعراف، وأحياناً بمعلومة مبتورة يعرف ناشرها أي وتر ستضرب. وحين يتكرر المشهد بالأدوات نفسها والنتيجة نفسها، فلا تحدثوني عن زلة أو جهل. هذا سبق إصرار وترصد.

ثم تدخل بعض مكاتب المحاماة. وحين تتطابق النيات، يكتمل المشهد: مشهور يضع الطُّعْم، ومكتب ينتظر الصيد. تبدأ البلاغات ويُلوّح بطلبات القبض والإحضار. والناس تتفاوت في قدرتها على ضبط انفعالها. ومن بين مئات الغاضبين، يُنتقى مَن زلّت كلمته ليصبح هو القضية، فيخرج المستفز ضحية، والغاضب متهماً. وهنا يتحول الاستفزاز من محتوى رخيص إلى تجارة.

كل إعادة نشر تسويق، وكل شتيمة مستند، وكل انفعال فاتورة. فالمنصات لا تفرّق بين إعجاب وغضب، كلاهما يرفع المحتوى ويمنح صاحبه ما يريد. أنت تظن أنك تؤدبه، بينما تعمل لديه مجاناً، ثم قد تدفع له ثمن عملك.

وهذا نمط موثق، لا حادثة عابرة. فقد وصفته شرطة دبي سابقاً بـ«المتاجرة بالسب»: يُستفز الشخص حتى يرد بإساءة، ثم يُساوَم مالياً مقابل التنازل.

متى يتحول حق التقاضي من حماية للكرامة إلى تجارة بالغضب؟

ولأننا دولة قانون فالمشهد لا يُقرأ من منتصفه. فالنيابة العامة تمثل المجتمع في الدعوى الجزائية. والجهات المختصة تنظر إلى المشهد كاملاً، كل بحسب اختصاصه. ومن ظن أن التلويح بالقضايا يمحو أصل المخالفة فقد أخطأ الحساب. وما يحاك في بعض المكاتب لن يبقى بعيداً عن أعين الجهات المختصة.

ومَن شتم فليتحمّل مسؤولية كلمته، لكن الشتيمة وحدها لا تمنح صانع الاستفزاز «صك براءة».

كإعلاميين، نكشف اللعبة لا نسوّقها. أما أنتم فانتقدوا وارفضوا وأبلغوا، دون شتيمة تصبح رصيداً للمستفزين.

وإلى أصحاب هذه التجارة: لستم أذكى من المجتمع. وإذا كانت هذه «لقمة عيشكم» فلن تكون سهلة، ستكون لقمة تغصّ بها حلوقكم.

للرزق أبواب عديدة، فلا تختاروا أرخصها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر