الكلام يزيد

محامي وكاتب

د. يوسف الشريف

في هذه الحياة كل شيء ينقص بالاستهلاك. المال ينقص إذا أنفقناه، والعمر ينقص إذا عشناه، والصحة تضعف إذا أهملناها، والوقت يمضي فلا يعود. وحده الكلام إذا أُطلق بلا ميزان، لا ينقص، بل يزيد ويتسع ويتحوّل من كلمة عابرة إلى حكاية، ومن حكاية إلى خصومة، ومن خصومة إلى قطيعة لا يعرف أصحابها كيف بدأت.

لذلك لم يكن حفظ اللسان ترفاً أخلاقياً، ولا وصية هامشية في الدين، بل كان أصلاً من أصول النجاة. فالإنسان قد يندم على مال دفعه، أو فرصة ضاعت منه، لكن أشد الندم أن يتمنّى لو أنه سكت في لحظة لم يكن فيها الكلام واجباً ولا مفيداً ولا منصفاً.

الكلمة لا تبقى دائماً في حجمها الأول. قد يقولها صاحبها في مجلس ضيق، ثم تخرج منه أكبر مما دخلت، وقد يقصد بها مزاحاً فتصل إلى إهانة، وقد يريد بها نصيحة فتتحول إلى تشهير، وقد ينقلها على أنها معلومة فتكون باباً للظلم وسوء الظن. وهنا تكمن خطورة اللسان، فهو صغير في حجمه كبير في أثره.

وفي زمن وسائل التواصل، لم يعد اللسان محصوراً في ما نقول بأفواهنا، بل صار يشمل ما نكتبه، وما نعيد نشره وما نعلق عليه، وما نضغط عليه إعجاباً أو سخرية. كانت الكلمة قديماً تموت في مجلسها، أما اليوم فقد تعيش أطول من صاحبها، وتبقى شاهدة عليه كلما ظن أنها انتهت.

والعلاج ليس في الصمت المطلق، فالصمت عن الحق عجز، كما أن الكلام في الباطل خطر. العلاج في ميزان بسيط قبل كل كلمة: هل هي حق؟ هل هي نافعة؟ هل وقتها مناسب؟ هل تطفئ ناراً أم تشعلها؟ وهل أستطيع أن أتحمل نسبتها إلـيّ غداً؟

ليس كل ما نعرفه يستحق أن يقال، وليس كل ما يقال يزيدنا قيمة. فالكلام مثل الماء، إذا جرى في مجراه أحيا، وإذا فاض أغرق. ومن حفظ لسانه لم يخسر صوته، بل حفظ قدره.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

 

تويتر