حين يروي الأدب ما يُغفله المؤرخون

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

ليست الرواية التاريخية كتاباً مدرسياً ارتدى ثوب الحكاية، ولا سجلاً للملوك والحروب أُضيفت إليه قصة حب، إنها محاولة لاستعادة الذين مرّوا في التاريخ من غير أن تلتفت إليهم كتب المؤرخين: المرأة التي انتظرت ولم تعد، والجندي الذي مات بلا اسم، والعامل الذي بنى القصر، والناس الذين عاشوا على هامش القرارات الكبرى ثم دفعوا أثمانها.

تذكرتُ ذلك وأنا أتابع الندوة التي أُقيمت ضمن فعاليات معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب بعنوان: «استلهام التاريخ في الرواية»، أعادت الندوة طرح السؤال القديم المتجدد: لماذا يعود الروائي العربي إلى التاريخ؟ هل ليعيد رواية ما نعرفه، أم ليبحث عمّا سكتت عنه الوثائق؟

بدأت علاقة الرواية العربية المنظمة بالتاريخ مع جرجي زيدان، الذي رأى في الحكاية وسيلة جذابة لتعريف القارئ بتاريخ العرب والإسلام. وكانت رواياته تؤدي وظيفة تعليمية واضحة، فتجعل المغامرة والحب مركباً يحمل المعلومات التاريخية إلى جمهور واسع.

لكن الرواية العربية الحديثة تجاوزت هذا الدور، فلم تعد تسأل فقط: ماذا وقع؟ بل: من دوّن ما وقع؟ ومن حُذف اسمه من السجل؟ ومن امتلك حق الكلام، ومن حُكم عليه بالصمت؟

عاد نجيب محفوظ في رواياته الفرعونية إلى مصر القديمة، ليطرح أسئلة عصره عن الحكم والعدل والحرية. وفي «ثلاثية غرناطة»، لم تقدّم رضوى عاشور سقوط الأندلس بوصفه حدثاً سياسياً مجرداً، بل جعلتنا نلمس أثره في البيوت واللغات والذاكرة.

وهنا تكمن قوة الرواية التاريخية وخطورتها. فالمؤرخ مقيّد بالوثيقة، أما الروائي فيدخل المساحات التي صمتت عنها الوثائق، وهذا ما حاولتُ استكشافه في روايتي المرتقبة «البحث عن الأخت الأخرى: الإسكندرية، 168 ق.م.». تبدأ الرواية باختفاء كساندرا، وهي شابة يونانية متعلمة، كان آخر من رآها باخوم، شاب مصري من راكوتيس. وسرعان ما تسبق الشائعة التحقيق، ويصبح اختلاف اللغة والأصل والمكانة الاجتماعية جزءاً من صناعة الاتهام.

ومن خلال أصوات متعددة وبرديات ورسائل وشهادات متعارضة، تنتقل الحكاية بين أحياء الإسكندرية البطلمية حتى تصل إلى المحكمة، حيث يتحول السؤال من: ماذا حدث لكساندرا؟ إلى: كيف تصنع المدينة المنقسمة حقيقتها، ومن يملك حق روايتها؟

فالتاريخ يخبرنا في الأغلب بما فعله المنتصرون، أما الرواية فتبحث عمّا حدث للذين لم يجدوا من يكتب أسماءهم.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر