الحدود التي تحفظ الود

* كاتب وروائي إماراتي

*عبدالله النعيمي

من حق كل إنسان أن يضع حدوداً في علاقاته مع الآخرين، سواء كان رجلاً أو امرأة، فالحدود ليست إعلاناً للعداء، ولا تعبيراً عن التعالي، بل هي الطريقة الأكثر احتراماً لحماية المساحة التي يحتاج إليها الإنسان ليبقى متوازناً.

إنها رسالة هادئة تقول:

هنا تبدأ خصوصيتي، وهنا ينتهي ما أسمح للآخرين بالاقتراب منه.

يخلط بعض الناس بين اللطف وإلغاء الحدود، وكأن حسن الخلق يقتضي أن يكون الإنسان متاحاً دائماً، أو أن يجيب عن كل سؤال، أو أن يقبل كل تدخل. بينما يمكن للمرء أن يكون ودوداً، وكريماً، ومتعاوناً، من دون أن يتنازل عن حقه في أن يقول:

«لا»، أو أن يعتذر، أو أن يحتفظ ببعض جوانب حياته لنفسه.

تأمل حال موظفة ترفض مشاركة تفاصيل حياتها الخاصة في مكان العمل، فيظنها البعض متكبرة، أو معقدة، أو منغلقة على ذاتها، لكن في الواقع هي ليست كذلك، وكل ما في الأمر أنها تعرف جيداً حدود العلاقة مع زملاء العمل، وتحرص على إبقائها ضمن إطارها المقبول وظيفياً، واجتماعياً، وإنسانياً.

وفي المقابل، قد يُساء فهم الحدود أحياناً إذا كانت طريقة فرضها قاسية، أو مباشرة أكثر من اللازم، أو مُبالغاً فيها، لذلك فإن اللطف واللباقة في التعبير عنها لا يقلّان أهمية عن وجودها، فالحدود التي تُرسم باحترام يسهل فهمها وقبولها.

ولهذا، تصبح الحدود بمرور الوقت معياراً يكشف طبيعة المحيطين بنا. فمن يستوعبها بسرعة، ويتقبلها بصدر رحب، يبقى موضع ارتياح وترحيب، أما من يرفضها، ويصر على تجاوزها، فيثير حول نفسه الكثير من الأسئلة.

فالعلاقات الصحية لا تقوم على إلغاء المسافات، بل على احترامها، لأن القرب الحقيقي لا يُقاس بمدى التداخل، بل بمدى التقدير المتبادل والوعي بحقوق الآخرين.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

تويتر