السعر الذي لا أدفعه
يقولون: كل إنسان له سعر.
ولعلهم محقون.
لكنهم أخطأوا حين ظنوا أن كل الأسعار تُدفع بالمال.
فبعض الناس لا يبيع نفسه بدرهم، لكنه قد يبيعها بمنصب. وآخر لا تغريه الثروة، لكنه قد يتنازل عن مبدأ، طلباً لرضا أحد. وثالث لا يغيّر قناعته، لكنه يسكت عن الحق، خوفاً على مكانته. وهكذا يظل الإنسان يردد أنه لم يبع نفسه، بينما هو لا ينتبه أنه غيّرها قطعةً قطعة.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم يبلغ سعرك؟
بل: ما الذي تقبل أن تأخذه.. مقابل أن تخسر نفسك؟
التاريخ لا يخلّد الذين ربحوا كل شيء، بل يخلّد الذين عرفوا أن هناك أشياء لا يجوز أن تكون محلاً للمساومة. لم يكن الفرق بينهم وبين غيرهم أنهم لم تُعرض عليهم المغريات، وإنما أنهم عرفوا أن بعض المكاسب، مهما كبرت، تصبح خسارة إذا كان ثمنها الكرامة أو الضمير أو الكلمة الصادقة.
والحقيقة أن الإنسان لا يُهزم عندما يخسر وظيفة، أو يفقد منصباً، أو تضيع منه فرصة، وإنما يُهزم عندما يقنع نفسه أن التنازل الصغير لن يغيّر فيه شيئاً. فكل تنازل يسهّل الذي يليه، حتى يأتي يوم ينظر فيه إلى المرآة فلا يعرف ذلك الوجه الذي كان يفاخر به.
لهذا لا تخف الفقر، ولا خسارة المنصب، ولا تأخر المكاسب بقدر خوفك أن تعتاد المساومة على ما لا يجوز أن يُساوَم عليه.
وقبل أن تحاسب الناس على أسعارهم، اجلس مع نفسك جلسة صادقة، واسألها سؤالاً واحداً:
إذا جاء اليوم الذي تُعرض فيه الدنيا كلها في كفة، ويُطلب منك أن تضع كرامتك أو ضميرك أو وفاءك في الكفة الأخرى.. فأي كفة سترجح؟
قد يختلف الناس في الإجابة..
لكن الإنسان يظل عظيماً ما دام يعرف أن في حياته شيئاً واحداً على الأقل.. ليس للبيع.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.