صيف يختبر أعصابنا
هذا الصيف يبدو كأنه قرر أن يختبر أعصابنا جميعاً، فالحرارة تضرب الشرق الأوسط، وتجتاح أوروبا، وتكسر أرقاماً قياسية في الولايات المتحدة. قبل أيام، هربتُ من زحام الإسكندرية إلى قريتي في دلتا مصر، ظنّاً مني أن الريف سيمنحني بعض السكينة، لكنني وجدت حرارة أشد مما تركت، وهواء يكاد لا يتحرك، وضجيجاً لا ينقطع، وشوارع مزدحمة، وسيارات «التوك توك» تمزق الصمت في كل لحظة. وبعد أيام قليلة عدت إلى الإسكندرية، لا لأن جوّها أصبح ألطف، بل لأنني أدركت أن احتمال هذا القيظ يحتاج إلى جو مكيَّف أكثر منه إلى تغيير المكان. بل وجدتني أفكر، للمرة الأولى بجدية، في قضاء ما تبقى من الصيف بين غرف مكيفة وشواطئ توفر قدراً من الهدوء والراحة، لا هرباً من الحر وحده، بل من الإرهاق الذي يتركه في الجسد والأعصاب معاً.
حين ترتفع درجات الحرارة، يظن كثيرون أن المزاج لابد أن يرتفع معها، فالصيف، في المخيلة العامة، موسم الإجازات والبحر والسفر واللقاءات العائلية، لكن الواقع أكثر تعقيداً؛ فهناك من يستقبل هذا الفصل بشيء من القلق، بل ربما بالاكتئاب.
فقد بدأت دراسات نفسية حديثة تلفت الانتباه إلى ما يُعرف بـ«الاضطراب العاطفي الموسمي الصيفي»، وهو الوجه الأقل شهرة للاضطراب الذي ارتبط طويلاً بفصل الشتاء. فإذا كان اكتئاب الشتاء يدفع بعض الناس إلى النوم والانعزال، فإن نظيره الصيفي قد يظهر في صورة أرق، وتوتر، وعصبية، وفقدان للشهية، واضطراب في المزاج يمتد أشهراً مع استمرار الحر.
وليس السبب حرارة الجو فحسب، بل ما تفعله هذه الحرارة في أجسادنا، فالتعرض الطويل للضوء، وارتفاع درجات الحرارة، واضطراب ساعات النوم، كلها تؤثر في الساعة البيولوجية التي تنظّم إيقاع الجسم وإفراز هرموناته. وحين يختل هذا الإيقاع، قد يختل المزاج أيضاً.
ولا يقل ضغط المجتمع أثراً عن ضغط الطقس، فوسائل التواصل الاجتماعي تمتلئ بصور الرحلات والشواطئ والمطاعم، حتى يبدو كأن الجميع يعيش أجمل أيام حياته. ومن لا يستطيع مجاراة هذا الإيقاع قد يشعر بأنه متأخر عن الآخرين أو أنه يفوّت شيئاً مهماً، فيزداد شعوره بالوحدة.
إنّ الصحة النفسية لا تعرف فصلاً واحداً. وكما نحتمي من شمس الصيف بالمظلّة، علينا أن نحمي عقولنا أيضاً من حرارة قد لا تُرى بالعين، لكنها قد تثقل القلب أكثر مما يثقله القيظ.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.